من المعلوم أنّ ابن الجوزي لم يستقرّ على عقيدة معينة ، ولم يعلم له العلماء عقيدةً معينة ، بل له كتب في إثبات صفات الله تعالى ، ككتاب"مجالس ابن الجوزي في المتشابه من الآيات القرآنية"، ففي هذا الكتاب يعلن ابن الجوزي إثباته للصفات ، خاصة الخبرية والتي ينفيها المتأخرون من المتكلمين ، فقال:
"اعلم أنّ الحقّ موصوف باليدين والوجه والعين على الوجه الذي يليق به ...". ثم أخذ يستدل على هذه الصفات من الكتاب والسنة ، ويناقش المعتزلة على تأويلهم صفة اليد ، ولكن العجيب أنّ ابن الجوزي تجده في كتاب آخر - مثل كتابنا هذا ( أي"دفع شبه التشبيه") - يؤوّل ما سبق أن قرره واستدل عليه من الكتاب والسنة ، ويأتي بنفس تأويلات من ردّ عليهم .
ثم تجده في مواضع من كتب أخرى - ككتاب تلبيس إبليس - يقرر التفويض ، وأنه هو الواجب ويقول:"وإنما الصواب قراءة الآيات والأحاديث من غير تفسير ولا كلام فيها" [1] . وهذه هي المشكلة في ابن الجوزي ، بل إنه قد تعلق بأقواله في نفي الصفات بعض المتكلمين ، وأن مذهب الإمام أحمد فيها هو التأويل ، والدليل على ذلك أنّ من أكابر علماء مذهبه هو ابن الجوزي ويعتبر من المؤولة [2] .
قال ابن تيمية:"فإن قيل: قلت إن أكثر أئمة النفاة من المعتزلة والجهمية كانوا قليلي المعرفة بما جاء عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأقوال السلف في تفسير القرآن وأصول الدين ، وما بلغوه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ففي النفاة كثير ممن له المعرفة بذلك ... وهذه حال أبي حاتم البستي ... وأبي الفرج ابن الجوزي ..." [3] .
(2) انظر"موقف ابن الجوزي من الصفات الخبرية"، ضمن رسالة"ابن الجوزي بين التأويل والتفويض"ص119 .
(3) درء تعارض العقل والنقل 7/32-33 .