الصفحة 8 من 27

أمّا الميت فلا يدافع عن نفسه، فجُعلت عدته زمنًا يُقطع فيه بانتفاء الحمل، وهو"أربعة أشهرٍ وعشرًا"وما بين استقرار النطفة في الرحم، إلى نفخ الروح في الجنين أربعة أشهر، كما هو مدلول الحديث السابق، وبما أنَّ الجنين يقوى تدريجيًا بعد نفخ الروح فيه، جُعلت العشر الزائدة على الأربعة أشهر، لتحقق تحرك الجنين تحركًا بيِّنًا، فإذا مضت هذه المدة الزمنية، حصل اليقين بانتفاء الحمل، إذْ لو كان حملٌ لتحرك لا محالة، وهو يتحرك لأربعة أشهر، وزيدت عليها العشر احتياطًا، لاختلاف حركات الأجنة قوةً وضعفًا باختلاف الجنين [1] .

ومن جهةٍ أخرى، فإن ثمّة سرٌّ آخر في توقيت العدّة بهذه الفترة الزمنية المحددة، يتمثل في احترام الإسلام للمرأة وتقديره لها، وتخفيفه العَنَتَ عنها، ورفعِه عن كاهلها، ذلك أنّ المتوفَّى عنها زوجها في الجاهلية، كانت تلقى الكثير من العَنَت، من الأهل، وأقارب الزوج، بل ومن المجتمع كلّه، فكانت إذا مات زوجها دخلت مكانًا رديئًا، ولبست شرّ ثيابها، ولم تمسّ طيبًا ولا زينةً مدّة سنة، ثم تخرج وتقوم بعدّة شعائر تعبدية سخيفة تتفق مع سخافة الجاهلية، فخفف الإسلام عنها كلّ ذلك، ولم يجمع عليها بين فقدان الزوج، واضطهاد الأهل بعده، وإغلاق السبيل في وجهها دون حياةٍ شريفة، وحياةٍ عائلية مطمئنة [2] .

(1) انظر: ابن عاشور، محمد الطاهر: التحرير والتنوير، (تونس: الدار التونسية للنشر، د.ر، 1984م) ، ج2، ص442. ويؤكد علم الطب الحديث أنَّ الجنين بالفعل يبدأ بالحركة بين الأسبوع السادس عشر والعشرين، أي بمعدل ثمانية عشر أسبوعًا (18×7= 126 يومًا) . انظر:

(2) انظر: ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج2، ص472. قطب، سيد: الظلال، ج1، ص255.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت