إن هذه الآية الأخيرة وحدها جماع الخير الكثير ومعقد الفضل النمير، رغم أنها في باب القصاص والجنايات، فتأمل كم جمعت من دلالات الأخلاق والتوجيهات السلوكية وأعمال البر ما ينتزع منك التسبيح انتزاعا، والسجود بين يدي الله خشوعا واتباعا، انظر إلى الكلمات التالية: ( العفو- الأخوة -المعروف- الأداء- الإحسان- التخفيف- الرحمة) .
(بـ) المعاملة المالية:
1-المداينة: { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن أمانته، وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم } [البقرة/283] .
وما ذكرناه ههنا في هذه الآيات مفرقة، يقال في السورة المدنية الجامعة لأحكام كثيرة كسورة، الطلاق، والحجرات، وغيرها بحيث نجد هذه الثلاثية بادية المعالم، واضحة التقاسيم.
2-السنة النبوية الشريفة: إنه لما كانت السنة النبوية الشريفة هي الوحي الثاني -غير المتلو- فإنها أيضا جعلت نظامها التشريعي مركوزا على العقيدة والأحكام والسلوك، كما في حديث: (( إن الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، ... ، ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) ) [متفق عليه]
إن هذا الربط العجيب منه صلى الله عليه وسلم بين المعاملات المادية والقلب، لمن أكبر الدلالات على أن التشريع لا يمكن أن يكون في معزل عن تربية النفس وتزكيتها بالأخلاق، لأن التشريع الذي يعنى بالظاهر في الغالب هو في الحقيقة عاكس ومرآة لما في الباطن (( ألا إن في الجسد مضغة ) )بل لا صلاح لمجتمع يحكم ظواهره قوانين رادعة، بينما تصفر القلب في خواء لا نبت فيه لمعتقد، ولا ظل فيه لخلق.