فهرس الكتاب
لقد سبق الحديث عن مصطلحي التوازن والتوازي، عندما تكلمنا عن أبنية السجع في الحديث النبوي الشريف في الفصل الأول من هذا البحث، إلا أن غايتنا هنا تختلف عما سبق، فهي تصب في رصد الجوانب الإيقاعية والموسيقية لهما.
إذن، فالتوازي والتوازن في الإيقاع القولي العربي، ظاهرة تسم فن القول شعرًا ونثرًا بشكل لافت. ونعني بالتوازن:"تعادل فقرات الكلام وجمله كما في النثر المزدوج، أو شطري البيت الواحد، من حيث الإيقاع والوزن" [1] ، اما التوازي:"فهو أن يستمر هذا التوازن في النص كله كالذي نجده في القصيدة الشعرية، حيث يتكرر ايقاع كل سطر منها، في كل بيت منها، ويستمر حتى نهايتها، بحيث يكون الجناح الأيمن من القصيدة يوازي جناحها الايسر من حيث الوزن والايقاع" [2] .
ففي مجال النثر تتمثل ظاهرة التوازن والتكرار في الايقاع، في الكلام المزدوج والمسجوع والمجنس، ... وتبدو ظاهرة توازن ايقاع الفقد المسجوعة وتوازيها وتكرارها بارزة في السجع [3] . وبلغ من اهتمام البلاغيين بهذه الظاهرة، أن ذهبوا الى أن أفضل أنواع السجع ما توازى جزءاه وتعادلا [4] . يقول أبو هلال العسكري:"والسجعُ على وجوه: منها أن يكون الجزءان متوازيين متعادلين، لا يزيدُ أحدهما على الآخر، اتفاق الفواصل على حرف بعينه، وهو كقول الأعرابي: سنةٌ جردت، وحال جهدت، وايد جمدت، فرحم الله من رحم، فأقرض من لا يظلم. - فهذه الأجزاء متساوية لا زيادة فيها ولا نقصان، والفواصل على حرف واحد-، ... ومنها أن يكون الفاظ الجزأين المزدوجين مسجوعة، فيكون الكلام سجعًا في سجع، وهو مثل قول البصير: حتى عاد تعريضك تصريحًا، وتمريضك تصحيحًا. فالتعريض والتمريض سجع، والتصريح والتصحيح سجع آخر، فهو سجع في سجع" [5] .
(1) الأسس النفسية لأساليب البلاغة العربية: 59.
(2) م.ن: 59.
(3) م.ن: 60.
(4) ينظر: جزاهر الالفاظ، قدامة بن جعفر: 3.
(5) كتاب الصناعتين: 268.