فهرس الكتاب
ومما يدل على الوضع قول الناحل على علي بن أبي طالب رضي الله عنه:"وإنما يتفاضل العلماء ..."، قلت: وذكر (العلماء) هنا منكر، فأي علماء في جلسة هي الجلسة الأولى في اختراع علم النحو.
ومما يدل على الوضع ورود مصطلح (حروف النصب) في الكلام المزعوم على أبي الأسود، إذ المفترض أن هذا النص يرجع إلى ما بين سنتي (36-40هـ) ، وهي مدة خلافة الإمام علي رضي الله عنه، بينما لم يبتكر مصطلح (النصب) ، وهو نصب الهواء إلى أعلى الحلق إلا في منتصف القرن الثاني الهجري أي بعد مئة عام من زمن أبي الأسود، ذلك أن مبتكر المصطلح هو الخليل بن أحمد الفراهيدي.
ومن الكلام المنحول ما زعم على علي رضي الله عنه أنه قال لأبي الأسود:"اجعل للناس حروفًا، وأشار إلى الرفع والنصب والجر" [1] .
قلت: القادح في صحة هذا الزعم ورود مصطلحات ابتكرها الخليل بعد مئة عام من تاريخ النص المفترض.
ومن الأقوال المحرفة التي يصح بعضها ولا تصح كلها، ما روي عن الحضرمي والفردزق لما قال الفرزدق:
وعَضُّ زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلا مُسْحَتًا أو مَجَلّفُ
سأله عبد الله بن أبي اسحق: بما رفعت (مُحَلَّفُ) فقال الفرزدق: بما يسوؤك وينوؤك، وقد قيل إنه قال له: عليَّ أن أقول، وعليكم أن تحتجوا" [2] ."
قلت: اعتراض الحضرمي على الفرزدق ثابت، غير أن ورود كلمة (بما رفعت) دليل على التحريف، وكان المعهود أن يقول له: لحنت أو أسأت، وقد قال له ذلك في مقام آخر إذ قال له:"أسأت إنما هي (رِيرُ) وكذلك قياس النحو".
(1) تاريخ النحو العربي: علي أبو المكارم، ص 25، وأرجع إلى (مراتب النحويين) .
(2) مراحل تطور الدرس النحوي: عبد الله بن حمد الخثران 79، وأرجع إلى الشعر والشعراء ص 89، (المُجَلَّفُ من الغنم: المسلوخ أُخرج بطنه، والمسحت: ما ذهب شحمه) .