فهرس الكتاب
فإذا كان لا يصح أن يحذف اللفظ السابق (أي العامل) فتستعار له صفة الضعف مثل حروف الجر وحروف الجزم والنصب. ولذا كان النحاة قد حكموا على قول رؤية لما سئل عن حاله فقال: (خيرٍ) بجر الهواء مع التنوين وحذف الباء من أول اللفظ، كان حكمهم عليه بالشاذ، وذلك أن الاسم الذي حل بعد (الباء) إنما يضبط بإعراب (أي تبيين) محله السياقي، فإذا حذف اللفظ السابق من اللفظين المعلّقين فقد حذف الوتد الذي يسترشد به في تبيين المحل السياقي للفظ الثاني، فيصير بذلك اللفظ اللاحق هَمَلًا من المعنى السياقي ومن المحل السياقي فلا يعرف كيف يضبط.
وكان الحكم كذلك بالشذوذ على قولهم في المثل: (تسمعَ بالمعيدي خير من أن تراه) بنصب الهواء في (تسمعَ) ، وذلك أن الفعل المضارع الذي يحل بعد (أنْ) إنما يضبط بإعراب (أي تبيين) محله السياقي، فإذا حذف اللفظ السابق من اللفظين المعلقين وهو لفظ (أنْ) فقد حذف الوتد الذي يسترشد به في تبيين المحل السياقي للفظ اللاحق فيصير بذلك اللفظ اللاحق هَمَلًا من المعنى السياقي، ومن المحل السياقي، فلا يعرف كيف يضبط؟
ومثل ذلك أيضًا كان الحكم بالشذوذ على حذف (إنَّ) في قولهم (الصيفَ ضيعت اللبن) بنصب الهواء في (الصيف) للعلة السابقة.
ومجمل الأمر أنه حيث جاز الفصل بين اللفظين المعلقين أو تأخر اللفظ السابق على اللفظ اللاحق أو حذف اللفظ السابق فيستعار للفظ السابق وهو العامل أوالوتد صفة القوة، فيقال: (عامل قوي) .
وحيثما لم تَجُزْ إحدى الحالات السابقة فتستعار للفظ السابق صفة الضعف، فيقال: (عامل ضعيف) ، وقد يكون العامل قويًا في موضع وضعيفًا في آخر كما هو حال (إنّ وأخواتها) وقد مرَّ بيان ذلك.
المبحث التاسع: معنى قولهم حرف عامل وحرف مهمل وحرف مختص