الصفحة 109 من 236

والملاحظ على هذه الآية من ظاهرها أنها تشبه الكون بالقول , وهذا لا يعقل إذ لا وجه لتشبيه الكون بالقول , إلاّ إذا أُولت على معناها , كما ذهب الزمخشري حيث قال: (( التشبيه محمول على المعنى ,وعليه يصح , والمراد: كونوا أنصار الله كما الحواريون أنصار الله حين قال لهم:(من أنصاري إلى الله) )) [1] . وذكر مكي بأن الكاف في (كما) نعت لمصدر محذوف أي: كونوا كونًا كما قال الحواريون [2] . ورد القنوجي هذا القول حيث قال: (( وفيه نظر إذ لا يؤمرون بأن يكونوا كونًا ) ) [3] , وكذلك يُرد هذا الرأي من حيث أن النحاة منعوا أن يشتق من الأفعال الناقصة مفعولًا مطلقًا , فلا يقال: كان كونًا [4] . والوجه الذي يعول هو أن الكاف في محل نصب على إضمار القول أي: قلنا لهم ذلك كما قال عيسى - عليه السلام - للحواريين [5] , أي قلنا لهم ذلك قولًا كقول عيسى للحواريين , وجعلت الآية من الإحتباك والأصل:

يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله حين قال لكم النبي: من أنصاري إلى الله

كما كان الحواريون أنصار الله حين قال لهم عيسى بن مريم: من أنصاري إلى الله

فحذف من كلٍ منهما ما دلَّ عليه المذكور في الآخر [6] , حيث حذف من الأول: (حين قال لكم النبي من أنصاري إلى الله ؟) لدلالة الثاني عليه , وهو قول عيسى - عليه السلام - , ومن الثاني: (كما كان الحواريون أنصار الله) لدلالة الأول عليه وهو قوله تعالى: (كونوا أنصار الله) .

(1) الكشاف: 532 .

(2) =: مشكل إعراب القرآن , مكي القيسي: 1 / 108 .

(3) فتح البيان: 14 / 125 .

(4) =: منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل , محي الدين عبد الحميد: 1 / 558 .

(5) =: البحر المحيط: 8 / 261 .

(6) =: روح المعاني: 28/90 ، ومحاسن التأويل: 16 / 5795 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت