فهرس الكتاب
جاءت هذه الآية وأخرى في سورة الأحقاف هي قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } (الأحقاف:4) , تكشفان عن محاججة الله - سبحانه وتعالى - للمشركين عُبّاد الأصنام , وهي محاججة تقوم على تحكيم العقل الصريح , وهي طلب الله - سبحانه وتعالى - من المشركين أن يروه خلقًا من خلق أصنامهم التي يعبدونها , مهما كان صغيرًا , لأنه سبحانه يعلم أنهم سيلتفتون يمينًا وشمالًا فلا يجدون شيئًا من هذه المخلوقات , وسيكون موقفهم موقف الخاسر من المعركة حتمًا , فهو - سبحانه وتعالى - يحاججهم بكتابه المنظور ليكون أبلغ في المحاججة , لانَّه محسوس لا يقبل الجدل والمغالطة .
وانطوت الآيتان في سورة فاطر وسورة الأحقاف على الإحتباك , حيث حذف من الأول الاستفهام عن الشِركة في الأرض لدلالة الشِركة في السماء عليه ثانيًا , وحذف الأمر بالإراءة في (اروني) من الثاني لدلالة الأمر بالرؤية في الأول [1] , وعلى هذا يكون التقدير:
قل أرايتم شركاؤكم الذين تدعون من دون الله اروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك فيها ( أو حتى يستحقوا الشركة فيها ) , واروني ماذا خلقوا من السماء أم لهم شرك فيها .
وتظهر بلاغة هذا الإحتباك بتحصيل المعنى الكامل من غير نقصٍ , مما لا يخفى على ذي لبٍ لما فيه من حسن المقابلة في اختيار المحذوفات بحيث لا يخل بالمعنى بل يزيده شرفًا ويرتفع عن الوضوح الممل الذي لا يليق بالعقول السليمة المرهفة .
(1) =: نظم الدرر: 16 / 69 .