فهرس الكتاب
وثمة لطيفة في تقديم الاعتراف أو الكلام على الشهادة, وذلك لمناسبة الواقع فالعادة جرت بأن تسير الأمور في القضايا على وفق هذا النسق, الاعتراف أولًا, والشهود ثانيًا, وهذا ما بينته الآية الكريمة, وكذلك قُدِّم لأنَّ دوره في هذه القضية أكثر فعالية وأبلغ دلالة من الشهادة وبخاصةً عندما يكون هناك توافق بين ما يدلي به المعترف وما يدلي به الشاهد [1] .
وأسند - سبحانه وتعالى - الختم إلى نفسه في حين أسند الكلام والشهادة إلى الجوارح, لأنَّه لو أسندها إليه لكان هناك احتمال في أن يكون ذلك جبرًا وقهرًا, والإقرار بالإجبار غير مقبول , فنسبها إليها , فتشهد باختيارها لخالقها بعد ما يقدرها الله - سبحانه وتعالى - على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم [2] .
وثمة جمالية أخرى في التعبير بالكسب في نهاية الآية بقوله: {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} , بدلًا من العمل , وذلك أنَّ العمل قد لا يكون من كسب الإنسان نفسه , فقد يكون خطأً فلا يؤاخذ به ولا يكون حينها من كسبه , بل الذي يكون من الكسب هو العمل الذي يترتب عليه الثواب والعقاب , ولهذا قال - سبحانه وتعالى - في سورة البقرة: {... لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ... } (البقرة: 286) , فلم يقل لها ما عملت وعليها ما عملت, لأنَّ الكسب أخص من العمل ,فقد يعمل الإنسان شيئًا جهلًا أو سهوًا فلا يؤاخذ به كما مرَّ [3] .
وهكذا تصور الآية الكريمة هذا المشهد العظيم , بتصويرٍ دقيق , حين يعطل - سبحانه وتعالى - بقدرته ذلك اللسان الذي كان سببًا في كفرهم وطغيانهم , وتعطى هذه الصفة للجوارح, فتشهد عليهم .
(1) =: تأملات في سورة يس: 87 .
(2) التفسير الكبير: 26/ 101-102.
(3) =: تفسير سورة يس , محمد بن صالح العثيمين: 205 .