فهرس الكتاب
تعرض هذه الآية جانبًا من كلام مؤمن أصحاب القرية , والذي صدح بالحق بعدما كذب أصحاب القرية المرسلين , فخرج هذا المؤمن من بينهم ليصدح بالحق فبدا بقوله: {قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} (يس:20) حتى وصل إلى قوله: {وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} , وأخذ يدعوهم إلى الإيمان بهؤلاء الرسل ودعوتهم وكان قوله هذا كأنََّه ردٌ على إنكارهم له بأنَّه ترك عبادة ألهتهم ونبذها فرد عليهم قائلًا: {وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [1] .
جاء التعبير بالإلتفات , فذكر في الشق الأول من الآية (ضمير المتكلم) , وفي الشق الثاني (ضمير المخاطب) , وأضاف الفطرة إلى نفسه والبعث إليهم , فلم يأتِ التقابل متماثلًا بين جزأي الآية , فلم يقل: ومالي لا اعبد الذي فطرني وإليه أرجع , ولا: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم وإليه ترجعون , بل جاء النظم الكريم بطريق الالتفات , وفي هذا الإلتفات حصل إحتباك وذلك لأنَّه حذف من كلٍّ من الجزأين نظير ما اثبت في الآخر , ودل بالمذكور على المحذوف , فحذف من الأول (وإليه أرجع) لدلالة نظيره عليه في الثاني وهو قوله (وإليه ترجعون) , وحذف من الثاني إنكاره عليهم وهو (ومالكم لا تعبدون الذي فطركم) لدلالة نظيره عليه في الأول وهو (ومالي لا اعبد الذي فطرني واليه ترجعون) [2] , وعلى هذا يكون تقدير الآية الكريمة:
ومالي لا اعبد الذي فطرني وإليه أرجع
ومالكم لا تعبدون الذي فطركم وإليه ترجعون
(1) =: معارج التفكر ودقائق التدبر , عبد الرحمن حسن حبكة الميداني: 6 / 81 - 82 .
(2) =: نظم الدرر:16/111 , وحاشية الصاوي: 3 / 221 , وروح المعاني:22 / 226 .