فهرس الكتاب
وتتجلى بلاغة الإحتباك بطريق الإلتفات في التعبير عن الموقف - بإضافة الفطرة إلى نفسه والبعث إليهم , وهو يعلم أنَّ الله قد فطرهم جميعًا كما يبعثهم جميعًا - في أنَّ إيجاد الله - سبحانه وتعالى - نعمةٌ توجب الشكر , والبعث يوم القيامة وعيدٌ يوجب الزجر , فكانت إضافة النعمة إلى نفسه أظهر في الشكر , وإضافة البعث إليهم ابلغ في الزجر [1] .
كما أنَّه أضاف الخطاب إلى نفسه من باب التلطف في نصحهم , ولإبرازه في معرض المناصحة لنفسه وهو مريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم فيُسمعهم الحق على وجهٍ لا يثير غضبهم ويكون أعون على قبولهم إياه حين يرون أنَّه يريد لهم ما يريده لنفسه [2] .
كما أنَّه انتقل إلى خطابهم بقوله: { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } , لبيان إرادتهم بكلامه , وما أراد نفسه [3] , كما أنَّ إسناد الشق الثاني من الآية إليهم , فيه تقوية معنى التعريض بالمخاطبين , وتقريعهم على ترك عبادة خالقهم إلى عبادة غيره [4] .
وفي هذا الأسلوب يتضح أنَّ هذا الرجل يستفهم في إنكار , أن لا يعبد الله - سبحانه وتعالى - الذي خلقه ولم يك شيئًا , وهو عابدٌ لله تعالى حق العبادة , وأنَّ قومه هم الذين لا يعبدون الله - سبحانه وتعالى - إنما يدعون آلهة من دونه , فكأنَّه بهذا الاستفهام يستنكر في حقيقة الأمر على قومه أن يعبدوا غير الله , وكما تعرض الآية لإيجاد الإنسان بعد العدم تعرض لبعثه بعد الموت [5] .
(1) =: الجامع لإحكام القرآن: 15 / 14 .
(2) =: التحرير والتنوير: 22 / 368 .
(3) =: فتح القدير: 4 /481 .
(4) =: إرشاد العقل السليم: 5 / 294-295, وروح المعاني: 22 / 226 .
(5) =: تأملات في سورة يس: 40 .