الصفحة 186 من 236

قال ابن القيم - رحمه الله - (ت 751) : (( ومصدر بتل إليه(تبتلًا) كالتعلم والتفهم , ولكن جاء على (التفعيل) مصدر (فعل) لسرٍ لطيف فإنَّ في هذا الفعل إيذانًا بالتدريج والتكلف والتعمل والتكثر والمبالغة , فأتى بالفعل الدال على أحدهما , وبالمصدر الدال على الآخر فكأنة قيل: بتل نفسك إلى الله تبتيلا وتبتل إليه تبتلا , ففهم المعنيان من الفعل ومصدره . وهذا كثير في القرآن , وهو من حسن الاختصار والإيجاز )) [1] .

وبمعنى آخر أنه حذف من جانب الفعل الأول المصدر (تبتيلًا) لدلالة المصدر الثاني عليه وهو (تبتيلًا) , ودلالة فعله عليه في الأول أيضًا , وحذف من جانب المصدر (تبتيلا) فعله (بتل) لدلالة الفعل الأول عليه وهو (تبتل) , ودلاله مصدره عليه ثانيًا وهو (تبتيلًا) [2] . وعلى هذا يكون تقدير الآية الكريمة:

وتَبَتَّل إليه تَبَتُّلًا

وبَتِّل نفسك إليه تَبتِيلا

وفي هذا الإيجاز بلاغة لاتخفى على من ذاق بلاغة القرآن , فقد ذكر الدكتور فاضل السامرائي تعليقًا قيمًا على هذه الآية في كتابيه (معاني النحو) و (التعبيرِ القرآني) , في بيان مجيء الآية بهذه الصورة , وهو أنه سبحانه أراد أن يجمع بهذا الإيجاز بين معنيي (التبتل) و (التبتيل) , فجاء بالفعل (تبتل) لمعنى التدرج ثم جاء بالمصدر (تبتيلًا) لمعنى آخر وهو التكثير , فجمع المعنيين في عبارة واحدة موجزة [3] .

(1) بدائع التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن قيم الجوزية: 5 / 50, والتفسير القيم: 501 / 502 .

(2) =: نظم الدرر: 21 /15 .

(3) =: التعبير القرآني: 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت