الصفحة 188 من 236

ولو جاء النظم بصورة مختلفة عن الآية ,مثلا بمصدر الفعل (تبتل) فقال (تبتل إليه تبتلًا) لم يفد غير التدرج وكذلك لو قال (وبتل نفسك إليه تبتيلًا) لم يفد غير التكثير, ولكنه أراد المعنيين , فجاء بالفعل من صيغة , والمصدر من صيغة أخرى وجمعهما فهو بدل أن يقول (وتبتل أليه تبتلا وبتل نفسك إليه تبتيلًا) قال {وتبتل أليه تبتيلًا} , فجاء بالفعل لمعنى ثم جاء بالمصدر لمعنى آخر كما سبق توضيحه - ووضعهما وضعًا فنيًا فكسب المعنيين في آن واحد , كما أن التعبير بهذه الطريقة له وضع فني وتربوي آخر وهو أنه جاء بالفعل الدال على التدرج ثم بالمصدر الدال على التكثير ، أي أراد سبحانه وتعالى من نبيه وحبيبه محمد - صلى الله عليه وسلم - - أن يبدأ بالقليل ثم يتدرج شيئًا فشيئا ًحتى ينتهي بالكثير , ومما يعضد هذا الكلام هو مجي الصيغة الفعلية للدلالة على التدرج والحدوث , لأن الفعل يدل على الحدوث والتجدد فقال (وتبتل) , ثم عبر بالصيغة الاسمية الدال على المبالغة والكثرة والثبوت فقال (تبتيلا) ، لأن الأسم يدل على الثبوت والكثرة لأنها الحالة الثابتة المرادة في العبادة ، أما حالة التدرج فهي حالة (مؤقتة) يراد منها الانتقال لا الاستمرار والاستقرار فجاء لكل معنى بما يناسبه [1] . كما أن (تبتيلًا) وضع موضع (تبتلا) لرعاية الفواصل التي قبله [2] محافظه على تنغيم الفواصل.

(1) =: التعبير القرآني: 35-36 .

(2) =: فتح القدير: 5/421 ، والتحرير والتنوير:29 / 266 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت