فهرس الكتاب
كما أنه سبحانه أختار هذه العبارة الدقيقة في النظم لبيان أن المقصود بالذات هو (التبتل) , فأما (التبتيل) فهو تصرف ، والمشتغل بالتصرف لا يكون متبتلا إلى الله ، لأنّ المشتغل بغير الله لا يكون منقطعًا إلى الله ، إلا أنه لابد من التبتيل حتى يحصل التبتل كما قال سبحانه {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} (العنكبوت: 69) , فذكر التبتل أولًا إشعارًا بأنه المقصود بالذات وذكر التبتيل ثانيًا إشعارًا بأنه لابد منه ولكنه مقصود بالغرض [1] .
ومثل هذه الصيغة في النظم وردت في القرآن الكريم في مواضع أُخر منها قوله سبحانه وتعالى في نشأة الإنسان بتشبيهه بالنبات في قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا} (نوح: 17) .
وهذه الآية كسابقتها في التركيب , حيث أن (أنبتكم) مصدره (إنباتًا) , و (نباتًا) فعله (نبتم) فجي في الآية بواحدة من هاتين وواحدة من هاتين على سبيل الإحتباك ، فحذف من الأول المصدر ومن الثانية الفعل ، اكتفاء بما ذكر في الأخرى [2] , وعلى هذا يكون تقدير الآية الكريمة:
والله أنبتكم من الأرض
إنباتا فنبتم نباتا ً
(1) =: التفسير الكبير: 30 /178.
(2) =: نظم الدرر:20 / 444 , روح المعاني:29/ 57 .