الصفحة 92 من 236

يتجلى ذلك في قوله تعالى {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } ( ال عمران:162 )

تعرض هذه الآية صورة من يتبع الصراط المستقيم فيوصله إلى الجنة , وصورة من يتبع سبيل الشيطان فعاد عليه هذا الإتباع بسخط من الله فانتهى أمره إلى جهنم وبئس المهاد .

ويلاحظ أنه في الآية الأولى اثبت سبب الرضا وحذف نتيجته , وفي الثانية اثبت النتيجة وحذف السبب , فحصل بذلك احتباك بليغ , قال أبو حيان: (( وفي الآية من حيث المعنى حذفٌ , والتقدير أفمن يتبع ما يؤل به إلى رضا الله عنه , فباء برضاه , كمن لم يتبع ذلك فباء بسخطه ) ) [1] . كما يفهم من مقابل {كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ } , أن من اتبع رضوان الله كان مأواه الجنة ,ولم يذكر هذا ليكون أبلغ في الزجر [2] .وإذا جمعنا هذين القولين يكون تقدير الآية الكريمة:

أفمن اتبع رضوان الله , فباء برضاه ومأواه الجنة كمن اتبع

سبيل الشيطان فباء بسخطٍ من الله ومأواه جهنم وبئس المهاد

وتكمن بلاغة الإحتباك في الآية بعدم ذكر الجنة مع الرضوان , لان رضوان الله أكبر , وهو مستلزم لكل نعيم , وبما أن السخط يكون مستلزمًا لكل عقاب فيقضي بموجبه أن تذكر معه جهنم في حيز المنع لسبق الجمال الجلال [3] .

والاستفهام في الآية معناه النفي [4] , والجمع بين الهمزة والفاء في ( أفمن ) لإنكار المماثلة بين المتقابلين [5] . في تنكير (سخط) دلالة على التعظيم , أي بسخط عظيم لا يكاد يوصف [6] .

(1) البحر المحيط: 3 / 107 .

(2) =: روح المعاني: 4/ 111 , وحاشية الجمل على الجلالين: 1 /331

(3) =: روح المعاني: 4 /111 .

(4) =: البحر المحيط: 3 /107 .

(5) =: إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم: 2 /57 .

(6) =: ينظر التحرير والتنوير: 4/ 154 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت