فهرس الكتاب
وعدي (نحشر) بـ (إلى) تعظيمًا وتبجيلًا للمؤمنين , وذكر صفة الرحمة (الرحمن) التي خص المؤمنين بها إكرامًا لهم , إذ أن لفظ الحشر يوحي بالجمع من أماكن متفرقة وأقطار شاسعة على سبيل القهر , فجاء لفظ (الرحمن) مؤذن بأنهم يحشرون إلى من يرحمهم , كما أن لفظ الوفد مشعرٌ بالإكرام والتبجيل كما يفد الوفاد إلى الملوك منتظرين الكرامة عندهم , وفي جانب المجرمين استخدم لفظ السوق الذي فيه إزعاج , ومما زاده تفظيعًا هو تعديته بـ (إلى) تبشيعًا لحالهم ومكانهم [1] . فلا تخفى جمالية المقابلة في اختيار الألفاظ المناسبة لكلا الحالتين .
والورد بمعنى العطاش كما قال ابن عباس - - رضي الله عنه - - [2] , وفيه مجاز مرسل على سبيل التهكم والاستهزاء ولا سيّما وقد جعل المورد جهنم , وعلاقته لزومية لأن من يرد الماء لا يرده إلاّ للعطش [3] , فأطلق لفظ الورد على العطاش إطلاق الشيء بسببه [4] . كما فيه استعارة مكنية لان الورود يقال في الأصل للمرور على الماء لأجل الاستسقاء منه , فشبه النار بماء يورد وحذف المشبه به ورمز له بشيءٍ من لوازمه وهو الورود [5] .
وبين لفظتي (وفدًا) و (وردًا) جناس غير تام , لتغير حرف بينهما مما أحدث تجانسًا في إيقاع الآيتين الكريمتين .
واستخدم العطش والحرمان من الماء في الآية وسيلة من وسائل العذاب الذي ينتظر أهل النار من الكافرين والمجرمين يوم القيامة , فقد صور القرآن مشهد أهل النار العطاش المحرومين من الماء في صورةٍ مؤثرة يظهر فيها الإعجاز القرآني متجليًا , ويقف أمامها الإنسان مذهولًا متعجبًا [6] .
جـ. رضوان الله وسخطه
(1) =:الكشاف: 647 , والبحر المحيط: 6 /203 .
(2) =: التفسير الكبير: 21/253.
(3) =: الكشاف: 647 .
(4) =: البحر المحيط: 6 / 204 .
(5) =: صفوة التفاسير: 2 / 609
(6) المشاهد في القرآن الكريم: 192 .