‹
الصفحة 83 من 83

*** هناك مواقف لبعض المتفقَّة يعتبرون الخلاف الفقهي من الخرف في الدين والتفرّق إلي شيع الذي ذمّه الله ورسوله ، وتوعّد عليه بالعقاب . ويستشهدون علي ذلك بالآيات الذامة للخلاف ، وقد جهلوا أن هذا تحريف للكلم عن مواضعه ، وفيه طعن لسلف الأمة وخلفها من الصحابة والتابعين ومَن تبعهم بإحسان ، إذا اختلفوا جميعا في كثير من الأحكام كما مرّ سابقا . ومن هؤلاء من يسمح لنفسه أن يفهم النص الشرعي ، وهو ليس من أهل النظر ، فيعيب علي من يخالفه المتبع إماما من الأئمة المعتبرين ، ويقول كيف تتعبّد بأقوال الرجال وتترك الكتاب والسنة ، ولا يدري أنه هو المعرض عن فهم الكتاب والسنة ، حيث فهم الأئمة واتبع هواه وجهله .

ومنهم مَن يسئ فهم العلماء ، فيعرض آراءهم عرضا شائنا ، أو يختزل أدلتهم ويشوّهها ، من أجل أن يبْرز آراءه وأنها هي الصواب الذي لا يحتمل الخطأ . وليحذر أمثال هؤلاء من أن يلبَّس عليهم الشيطان الأمر ، فتتداخل الأمور الشخصية ، والحظوظ النفسية ، والأمانات العلمية ، فتتحول النصيحة إلي فصيحة ، وينقلب النقاش العلمي إلي جدل ومراء ، ويجر ذلك إلي الوقوع في الشر والسوء ، من حيث يظنون أنهم يحسنون صنعا .

وكثيرا ما يدعونا الإعجاب بالرأي إلي ترك الحق إذا لم يكن الدليل معنا ، تدفع الرأي الصحيح للأئمة من حيث نشعر أوْلا نشعر ، فيكون أكبر همَّنا إذا سمعنا رأيا مخالفا لرأينا ، كيف نردّ عليه ونبطله . فداء الإعجاب بالرأي أحد المهلكات . ومن علامات ذلك أن يكون لسان حاله يقول: رأيي صواب ولا يحتمل الخطأ ، ورأي غيري خطأ ولا يحتمل الصواب .

أسأل الله العليم بما في الصدور أن يعيذنا من شر نفوسنا ، وأن يقينا شر المهلكات جميعا ، وأن يعيننا علي مجاهدة أنفسنا ، وأن يهدينا إلي ما اختلف فيه بإذنه ، فهو سبحانه القائل: ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت