فهرس الكتاب
*** هذا كله في موقف العالم العارف بالخلاف الوارد في المسألة ، أما العامي الذي لا يفرَّق بين الأقوال فلا يصح له أن ينكر في شيء من المختلف فيه ، إلا إذا عرف من عالم موثوق حكم المسألة فيقول بها وينسبها إلي العالم . ولا يكفيه مبررا للإنكار أن يري غيره عاملا بخلاف ما يعمله ، أو ما أفتاه به أحد العلماء ، فما أكثر المسائل الاختلافية والاجتهادية التي يحسبها كثير من العامة مسائل قطعية لا مجال للاختلاف فيها . قال السيوطي في كتابه الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف: كان الإمام أحمد يقول: لا ينبغي لأحد أن يفتي إلا أن يعرف أقاويل العلماء في الفتاوى الشرعية ، ويعرف مذاهبهم ، فإن سئل عن مسألة يعلم أن العلماء الذين يتخذ مذهبهم قد اتفقوا عليها ، فلا بأس بأن يقول: هذا جائز وهذا لا يجوز ، ويكون قوله علي سبيل الحكاية ، وإن كانت مسألة قد اختلفوا فيها ، فلا بأس بأن يقول: هذا جائز في قول فلان ، وفي قول فلان لا يجوز ، وليس له أن يختار فيجيب بقول بعضهم ما لم يعلم حجته . قال الآمدى في أصوله: العاميّ ، ومن ليس له أهلية الاجتهاد ، وإن كان مُحصلًا لبعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد ، يلزمه أتباع قول المجتهدين ، والأخذ بفتواهم عند المحققين من الأصوليين .
وقال الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه: أما من يسوغ له التقليد ، فهو العامي الذي لا يعرف طرق الأحكام الشرعية . فيجوز له أن يقلد عالما ويعمل بقوله ، قال الله تعالي: ( فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) . ولم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين يستفتون المجتهدين ، ويتبعونهم في الأحكام الشرعية ، والعلماء منهم يبادرون إلي إجابة سؤالهم من غير إشارة إلي ذكر الدليل ، ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير ، فكان إجماعا علي جواز أتباع العامي للمجتهد مطلقا .