فهرس الكتاب
فالسكاكي يرى أن النص إن لم يصدر عن بليغ ، فإنه مهما اشتمل على عناصر أسلوبية وقيم بلاغية ، فلا ينظر إليها ، لعدم توفر النية عند المؤلف أو المقصد من ورائها ، فهي عفوية جاءت دون تأمل ودون قصد ."إن جوهر الكلام البليغ مثله مثل الدرة الثمينة لا ترى درجتها تعلو ، ولا قيمتها تغلو ، ولا نشتري بثمنها ، ولا تجري في مساومتها على سننها ، مالم يكن المستخرج لها بصيرا بشأنها ، والراغب فيها خبيرًا بمكانها" [1] . وفي موضع آخر يقول:"وأعني بخاصية التراكيب ، ما يسبق منه إلى الفهم عند سماع ذلك التركيب ، جاريا مجرى اللازم له ، لكونه صادرا عن البليغ ، لا لنفس ذلك التركيب من حيث هو هو أو لازما له هو هو حينا" [2] . ولا نكاد نرى في هذا القول اختلافا بين رأي السكاكي ، في القرن السابع الهجري ، ورأي أحد النقاد البارزين في العصر الحديث الدكتور / عز الدين إسماعيل الذي يقول إن"الكلمة تكتسب قوتها من الشخصية التي استخدمتها ، وكم من عبارات كان لها أثرها في النفوس ، لم تكن لتحدث هذا الأثر لو لم تصدر عن شخصية بذاتها" [3] وهذا الربط بين قوة الشخصية وحيويتها ، وأدبية العمل الفني وجمالياته ، كثيرا ما نصطدم به في واقعنا النقدي ، فنحن إذا تناولنا قصيدة مثلا نعلم نسبتها إلى قائلها - وليكن من فحول الشعراء - فإننا نتلذذ بكل كلمة تلامس آذاننا ، ونستمتع بكل تركيب مهما بلغت درجة غموضه أو انحرافه اللغوي ، لأننا ننساق بطريقة عفوية ، نحو خلق التبريرات الفنية لهذا التركيب أو ذاك . ولكن إذا ما تناولنا القصيدة نفسها ، على أنها محاولة لأحد الشعراء الشبان ، فإننا نستقبلها بفتور ، ولاتثير في أذهاننا ما أثارته أول مرة . وذلك لأننا كمتلقين نسعى دائما إلى الربط بين الظاهرة الأسلوبية ومقصد المؤلف عند إدراكها .
(1) - المصدر السابق .
(2) - مفتاح العلوم:161 .
(3) - الأدب وفنونه، د. عزالدين إسماعيل، دار الفكر العربي، ط8، 1983م:25 .