الصفحة 29 من 442

وفي عبارة أخرى لو قرأنا قصيدة نثرية"لأدونيس"يتحرر فيها من القيود النحوية والعروضية والبلاغية ، فإننا نستمتع بها ، ونرى ما نراه فيها نوعا من التجديد والتطوير للقصيدة العربية ، ولو قرأناها لشاعر مغمور سرعان ما نتهمه بالوقوع في الخطأ ، وعدم امتلاكه لأدوات الفن . وعملية ربط النص بمبدعه ، واندماج صاحبه فيه اندماجا داخليا على مستوى الصياغة ، وخارجيا على مستوى المتلقي ، تجلى بشكل واضح في عملية الخلق الفني نفسها ، إذ إن الأداء الفني الذي يقوم به المبدع ، ما هو إلا نتاج مخزونه الذهني من اللغة والأخيلة والمعاني ، ومن ثم يتلون أسلوبه باللون الذي يغلب على تفكيره وإحساسه ومعارفه"فإن جميع ما يثبت في الخيال مما يصل إليه ( المبدع ) من الخارج ، يثبت فيه على نحو ما يتأدى إليه ، ويتحرر لديه ، ولذلك لما لم تكن الأسباب على وتيرة واحدة فيما بين معشر البشر ، اختلف الحال في ثبوت الصور في الخيالات ترتبا ووضوحا ، فكم من صور لا تكاد تلوح في الخيال ، وهي في غيره نار على علم" [1] . ولعل تصنيف النقاد للشعراء قديما ، وربط كل شاعر بحالة معينة ، يتفوق في التعبير عنها دون سواها ما هو إلا تأكيد على أن الشاعر يبدع أيما إبداع ، فيما يتكرر على إحساسه وفكره ، ولذلك نجدهم يقولون:"كان امرؤ القيس أشعر الناس إذا ركب ، والنابغة إذا رهب ، وزهير إذا رغب ، والأعشى إذا طرب" [2] . ويدلل السكاكي على جدوى ما يقوله ، بوصف عدد من الأشخاص"للبدر"وهم،: صاحب سلاح ملك ، وصائغ ، وصاحب بقر ، ومعلم صبية ، يقول:"فما يشبهه السلاحي إلا بالترس المذهب يرفع عند الملك ، ولا يشبهه الصائغ إلا بالسبيكة من الإبريز تفتر عن وجهها البوتقة ، ولا يشبهه البقّار إلا بالجبن الأبيض ، يخرج في قالبه طريا ، ولا يشبهه المعلم إلا برغيف أحمر يصل إليه من بيت ذي مروءة" [3] .

(1) - مفتاح العلوم:254 .

(2) - الصناعتين:32 .

(3) - مفتاح العلوم:255 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت