الصفحة 30 من 442

وهذا القول له صلة بما يسمى المعجم الشعري للشاعر ، إذ إن لكل شاعر دائرة كلامية يتحرك داخلها ، ويستقي منها مفرداته وأساليبه وصوره وأخيلته ، وهي دائرة خاصة به يصطبغ بها خطابه ، ولا تتداخل مع غيرها من الدوائر . وللالتفات ، كظاهرة أسلوبية في الخطاب الأدبي ، علاقة بنفسية المبدع ، يلجأ إليه كي يشبع رغبات نفسية وداخلية ، ويعكس التوتر الانفعالي عنده قبل أن يحقق به تأثيرا على السامع ، أو استدرارا لإصغائه وتنبيها إلى فائدته ، وهو ما أشار إليه السكاكي بقوله"أو ما تراك إذا كنت في حديث مع إنسان ، وقد حضر مجلسكما من له جنايات في حقك كيف تصنع؟ تحول عن الجاني وجهك، وتأخذ في الشكاية عنه إلى صاحبك، تبثه الشكوى معددا جناياته واحدة فواحدة، وأنت فيما بين ذلك واجد مزاجك يحمى على تزايد ، يحرك حالة لك غضبية ، تدعوك إلى أن تواثب ذلك الجاني وتشافهه بكل سوء ، وأنت لا تجيب ، إلى أن تغلب فتقطع الحديث مع الصاحب ومباثتك إياه ، وترجع إلى الجاني مشافها له بالله قل لي:..." [1] . ولأهمية الالتفات في التعبير عن نفسية مبدعه ، وفي مراعاته لنفسية المتلقي وحاجته إليه أيضا ، وأنه يسايرهما بدقة متناهية مع النمو الدلالي للصياغة ، أكد السكاكي أن التفاضل بين المتكلمين كثيرا ما يتحقق بمراعاة لطائفه وأفانينه ، تلك التي لا يقدر على تحقيقها إلا البليغ المتفنن في أساليب القول ، فيقول في مقام الالتفات:"إن الفحول البزل لا يعترفون بالبلاغة لامرئ ، ولا يقيمون لكلامه وزنا ، ما لم يعثروا من مطاوي افتنانه على لطائف اعتبارات ، والتفاضل بين المتكلمين قلما يقع إلا بأشباهها" [2] .

(1) - المصدر السابق:201 .

(2) - السابق:204 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت