الصفحة 31 من 442

ويرى السكاكي أن المستوى اللغوي الذي ينبغي على المتكلم أن يتحرك فيه يتجاوز الدلالات الوضعية للألفاظ ، أو ما يسميه بأصل المعنى ، حيث إن اللغة في مستواها العادي لا تمايز فيها بين المتكلمين ولا تفاضل ، وأن التمايز والخصوصية تتضح وتتجلى عند بدء الخروج على هذه الدلالات ، وعلى النظام النحوي في صورته النمطية ، ويصبح المتكلم في مرحلة اختبار لقدرته على التعبير ، وعلى موافقة كلامه لمقتضى الحال . قد يخفق فيها وقد يصيب، وبالتالي يكتسب أسلوبه صفة الخصوصية والنسب إليه بقدر ما أخفق أو أصاب."أما اللغة الفنية فهي من نتاج الفرد المبدع ، وهي لذلك شخصية تصدر عن عبقرية البليغ وتتحدى ما هو نمطي واصطلاحي" [1] يقول السكاكي وهو بصدد الحديث عن المتكلم وتفاوت مقتضى الحال لديه"فتارة تقتضى ما لا يفتقر في تأديته إلى أزيد من دلالات وضعية ، وألفاظ كيف كانت ، ونظم لها لمجرد التأليف بينها يخرجها عن حكم النعيق ، وهذا الذي سمَّيناه في علم النحو أصل المعنى ، ونزلناه ههنا منزلة أصوات الحيوانات ، وأخرى ما يفتقر في تأديته إلى أزيد ، وظاهر أن الخطأ الذي نحن بصدده لا يجامع في الأول أدنى التمييز فضلا أن يقع من العاقل المتفطن ، وإنما مثال الخطأ هو الثاني ..." [2] ."ولأمر ما تجد أرباب البلاغة وفرسان الطراد في ميدانها الرامية في حدق البيان يستكثرون من هذا الفن ( الخروج على مقتضى الظاهر ) في محاوراتهم" [3] . وللمبدع حضور بارز في ذهن السكاكي يتمثل في أن الصياغة ترتبط بحاجته ، وحاله ، كما هي ترتبط بحال المتلقي وحاجته .

(1) - نظرية اللغة في النقد العربي، د. عبد الحكيم راضي، مكتبة الخانجي، 1980م:85 .

(2) - مفتاح العلوم:163 .

(3) - السابق:169 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت