الصفحة 32 من 442

ولا يخفى عليك أن مقامات الكلام متفاوتة فمقام الشكر يباين مقام الشكاية ، ومقام التهنئة يباين مقام التعزية ، ومقام المدح يباين مقام الذم ، ومقام الترغيب يباين مقام الترهيب ، ومقام الجد في جميع ذلك يباين مقام الهزل ، وكذا مقام الكلام ابتداء يغاير مقام الكلام بناء على الاستخبار أو الإنكار ..." [1] . ولاشك أن المقام الذي يعنيه هنا مقام المتكلم ، وأن أساليب الكلام تتبع أغراض المتكلم وأحواله . أما قوله: مقام الكلام ابتداء يغاير مقام الكلام بناء على الاستخبار"فإنه يختص بحال المتلقي ومقامه . ومقوله"مراعاة الكلام لمقتضى الحال"، التي تتردد كثيرا عند السكاكي وعند غيره من النقاد والبلاغيين ، تربط بين النص ومبدعه ، وبين النص ومتلقيه ، لكنها عند السكاكي تتجاوز ذلك لتشمل أحوالا أربعة هي حال المبدع ، وحال المتلقي ، والسياق الداخلي ، والسياق الخارجي ، وهو يؤكد على ذلك من خلال تحليلاته لأحوال الإسناد الخبري وأغراضه"أما الحالة التي تقتضي طي ذكر المسند إليه ، فهي إذا كان السامع مستحضرا له عارفا منك القصد إليه عند ذكر المسند ، والترك راجع إما لضيق المقام ( السياق الخارجي ) وإما للاحتراز عن العبث بناء على الظاهر (السياق الداخلي ) وإما للتخييل أن في تركه تعويلا على شهادة العقل ، وفي ذكره تعويلا على شهادة اللفظ من حيث الظاهر ، وكم بين الشهادتين ، (حال المتلقي) ، وأما لإيهام أن في تركه تطهيرا للسان عنه أو تطهيرا له على لسانك ، وأما للقصد إلى عدم التصريح ليكون لك سبيل إلى الإنكار إن مست إليه الحاجة (حال المبدع ) [2] ."

(1) - السابق:168 .

(2) - السابق:176 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت