فهرس الكتاب
ومن ناحية أخرى التفت السكاكي إلى أن اللفظ لم يوضع أصلا من أجل الدلالة على معناه ، وإنما لتحقيق غاية أشمل وأبعد ، وهي الدخول في تركيب لغوى ، تتحقق به الغاية الكلامية ، يقول:"إن الغرض الأصلي من وضع الكلم هو التركيب" [1] . وينفي أية فائدة للفظ خارجه ، وهو بذلك يؤكد ما دعا إليه عبد القاهر الجرجاني من قبل"بأن الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة ، لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها ، ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض ، فيعرف فيما بينهما فوائد . وهذا علم شريف ، وأصل عظيم ." [2] .
وهذا هو المبدأ الذي انطلق منه عبد القاهر لوضع نظريته المعروفة بالنظم .وعلى كل حال فإن السكاكي - ومن قبله عبد القاهر الجرجاني - قد سبقا"تشومسكي"في رأيه حول انحصار الفائدة اللغوية في التركيب دون المفردات في حال عزلتها ، حيث يؤكد الأخير على"ضرورة اعتبار معاني المفردات في سياق الكلام لا بمعزل عنه" [3] . وبعد ... فإن تناول السكاكي للظاهرة اللغوية ، واتصالها بعناصر الإبداع الأدبي (المبدع والمتلقي والنص ) ، ثم فهمه للعلاقة بين الدال والمدلول وأبعادها اللغوية ، يدل على فهم عميق وبصيرة نافذة للظاهرة اللغوية في صورتيها الإفرادية والتركيبية . مما يكشف عن أصالة الفكر النقدي العربي في تلك الحقبة من الزمن ، والذي لم يكن بعيدا - في جوهره - عن المناهج النقدية اللغوية الحديثة . وإضاءتنا لمثل هذه الظواهر والبحث في أبعادها وجوانبها بلغة حديثة يجعلها لبنة قوية صالحة لتشييد منهج نقدي معاصر ، يجمع بين الصبغة التراثية الأصلية ، والفكر الأسلوبي الحديث في أن معا ، ويشفع لبلاغتنا من تهمة التحجر والقصور.
الفصل الثاني: الشعريَّة
(1) - مفتاح العلوم: 141 .
(2) - دلائل الإعجاز: 539 .
(3) - أصول النظرية التوليدية التحويلية والنحو العربي ، محمد بو عمامة ، مخطوطة ماجستير ، كلية الآداب جامعة عين شمس ، 1989م:76 .