الصفحة 88 من 442

والصورة الثالثة: ورد فيها بلفظه ومعناه ، ولكن بشكل محدود ، عند كل من حازم القرطاجني وابن سينا ، حيث استعمل كل منهما لفظ ?"الشعرية"? في سياق يكشف عن مفهومه الحديث ، فتحدث الأول عن الشعرية بأنها تخير للألفاظ ، ونظمها بطريقة خاصة ودراية عالية ، وينكر على من يظن أنها غير ذلك ?"وكذلك ظن هذا أن الشعرية في الشعر إنما هي نظم أي لفظ اتفق كيف اتفق نظمه وتضمينه أي غرض اتفق ، على أي صفة اتفق ، لا يعتبر عنده في ذلك قانون ولا رسم موضوع" [1] ? .

وتتولد الشعرية عند حازم بالإضافة إلى حسن التأليف من عملية التخييل التي تقوم عليها الأقاويل الشعرية ، بل يمكن أن نجد في مصطلح التخييل مرادفا لمصطلح الشعرية عنده إذ إن استخدامه لمصطلح الشعرية بصيغته المصدرية كان محدودا في مقابل مصطلح التخييل الذي غطى مساحة كبيرة من كتابه المنهاج، ورأى أنه الخاصية المميزة للأقاويل الشعرية من غيرها ?"لأن الاعتبار في الشعر إنما هو التخييل في أي مادة اتفق ، ولا يشترط في ذلك صدق ولا كذب ، بل أيهما ائتلفت الأقاويل المخيلة منه فبالعرض. لأن صنعة الشاعر هي جودة التأليف ، وحسن المحاكاة ، وموضوعها الألفاظ وما تدل عليه ?" [2] .

وقد أدرك القرطاجني أن صفة الشعرية التي تعتمد عنده على التخييل ليست مقصورة على الشعر بل تتعداه إلى النثر- وهو في ذلك لا يختلف عما ذهب إليه جاكوبسون - [3] . فإن كانت هي تمثل عصب الرسالة الشعرية ، فإنه لا يمتنع أن توجد في الأقاويل الخطابية ، ولكن دون أن تغلب عليها ، كي لايكون ظاهر الكلام وباطنه متدافعين ."لذلك ساغ للشاعر أن يخطب لكن في الأقل من كلامه ، وللخطيب أن يشعر لكن في الأقل من كلامه ?" [4] .

(1) - منهاج البلغاء:28 .

(2) - منهاج البلغاء:81 .

(3) - انظر نظرية البنائية:389- 390 .

(4) - منهاج البلغاء:361 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت