الصفحة 87 من 442

وإذا كان مفهوم النظم عند العسكري يشوبه بعض الغموض أو عدم التحديد ، وأن رؤيته للعلاقات النحوية بين الكلمات لم تكن واضحة تماما ، فإن مفهوم النظم عند عبد القاهر الجرجاني ? بأنه"توخي معاني النحو بين الكلم ? وأن ذلك يكسبه الشرف والرفعة ، يعد مرادفا صادقا ودقيقا لمصطلح الشعرية ، فقد جعل عبد القاهر مزية الكلام وفضله تنحصر في الخط الأفقي أي محور التأليف ، لأن التفاضل بين المتكلمين لا يكون في اختيار المفردات في ذاتها ، وإنما في تأليفها ووضعها في نسق نحوي معين ? فالألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها ، ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض ?" [1] . فعبد القاهر بذلك ?"يحجب شعريته عن عملية الاختيار إذا ظلت في إطارها الوضعي وفي إطارها اللغوي الخالص ، فلابد لتحقق الشعرية من زرع الدال في وسط تعبيري تترابط عناصره بخيط نحوى. أي الشعرية الحقيقية في التركيب لا في الإفراد" [2] . وقد أشار جاكوبسون"إلى أهمية الخط النحوي في توليد شعرية القول حيث"? يشكل النسيج النحوي للغة"الشعرية جزءا كبيرا من قيمتها الداخلية"? [3] . ورأى أن الأصناف الفرعية النحوية التي تنتظم قصيدة ما ، تنتسب بطريقة ملحوظة إلى وسائل اللغة الشعرية . فجوهر الشعر لا يتمثل في مادته التي ينسج منها ، وإنما في طريقة صياغة هذه المادة ، وتشكيلها على نحو يثير حساسية المتلقي ، ويحرك خياله ووجدانه ، من هنا يتضح أن هناك توافقا بين تصور القدماء لمفهوم الشعرية وتصور المحدثين ، إذ إن كلا منهما قد ركز على الجانب النحوي في توليد المعاني الشعرية.

(1) - السابق:187 .

(2) - قضايا الحداثة:90 .

(3) - قضايا الشعرية ، رومان جاكوبسون ، ترجمة محمد الولي ومبارك حنون ، دار توبقال للنشر، المغرب ، ط1 ،1988م:82 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت