وهُوَ الإِيمانُ باللهِ [1]
ومَلائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ [2]
(1) قولُه: ( الإيمانُ باللهِ ) : الإيمانُ معناه لغةً: التَّصْدِيقُ، قال اللهُ سبحانَه وتعالى: (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ) أي مصدِّقٍ، وكذلك إذا أُقْرِنَ العَملُ فمعناه التَّصديقُ، قالَ اللهُ: (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ) .
أمَّا الإيمانُ في الشَّرعِ: فهو قولٌ وعملٌ واعتقادٌ، وذكرَ بعضُهم إجماعَ السّلفِ على ذلك، ومعنى الإيمانِ باللهِ: إثباتُ وجودهِ سبحانه وأنَّه مُتَّصِفٌ بصفاتِ الجلالِ والعظمةِ والكمالِ، مُنَزَّهٌ من كلِّ عيبٍ ونقصٍ، وأنّه مستحقٌّ للعبادةِ لا إلهَ غيرُه ولا ربَّ سواه.
(2) قولُه: ( وملائكتِه ) : أي التَّصديقُ بِوُجُودِهِمْ وأنَّهم كما وصفَهم اللهُ سبحانَه وتعالى: (عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلونَ ) فيجبُ الإيمانُ بهم إِجْمَالًا فيما لم نَعْلَمْهُ تَفْصِيلًا، أمَّا مَنْ عُلِمَ عَينُه كجبريلَ ومِيكائيلَ وإسرافِيلَ ونحوِهِم فيجبُ الإيمانُ بِأَعْيَانِهِمْ.
أمَّا عددُهم فلا يعلمُه إلا اللهُ، وقد دلَّ الكتابُ والسُّنَّةُ على أصنافِ الملائكةِ، وأنّها مُوَكَّلةٌ بأصنافِ المخلوقاتِ: منهم مُوَكَّلون بالسَّحابِ والمطرِ، ومنهم موكَّلون بالأرحامِ، ومِنهم موكَّلون بحفظِ بني آدمَ، ومنهم موكَّلون بحفظِ ما يعملُهُ وِإحْصَائِه وكتابتِه، ومنهم الموكَّلونَ بالموتِ والسّؤالِ في القبِرِ، إلى غيِرِ ذلك من أصنافِ الملائكةِ ممَّا لا يعلمهُ إلا اللهُ (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ) وممَّا تقدَّم يُعلَمُ بطلانُ قولِ من قالَ: إِنَّ الملائكةَ لا عقولَ لهم، فقد تقدَّم أَنَّ منهم السُّفَرَاءَ بينَ اللهِ ورسلِه، والمُوَكَّلِيَن بِأَصْنَافِ المخلوقاتِ، إلى غيرِ ذلك ممَّا تواترتْ به الأدلَّةُ من صفاِتهم وما كلَّفهُم اللهُ به، وما جاءت به الأدلَّةُ من عبادِتهم العظيمةِ، وخوفِهم من اللهِ سبحانه وتعالى، فهل يُصَدِّقُ عاقلٌ أو من شَمَّ رائحةَ الإيمانِ بما زَعَمَهُ هذا السَّفِيهُ، لا شكَّ أنَّ هذا قولٌ باطلٌ مُصَادِمٌ لأدلَّةِ الكتابِ والسّنّةِ.
وقولُهُ: ( وكتبِه ) : أي التّصديقُ بأنَّها كلامُ اللهِ، وأنَّها حقٌّ ونورٌ وهدًى فيجبُ الإيمانُ بما سمَّى اللهُ منها من التَّوراةِ والإنجيلِ والزَّبورِ، ونؤمنُ بأنَّ للهِ سِوَى ذلك كتبًا أنزلها على أنبيائِه لا يَعرِفُ أسماءَها وعددَها إلا اللهُ سبحانه، قال تعالى: (آمَن الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ ) الآيةَ. وغيرَها من الآياتِ الدّالَّةِ على أنَّ اللهَ تكلَّمَ بها حقًّا، وأنَّها أُنْزِلَتْ من عِنْدِه، وفي ذلك إثباتُ صفةِ الكلامِ والعُلُوِّ: أمَّا الإيمانُ بالقرآنِ فَالإِقْرَارُ به، واتِّبَاعُ ما فيه وذلك أمرٌ زائدٌ على الإيمانِ بغيرهِ من الكتبِ.
قولُه: ( ورسلِه ) : أي التَّصديقُ بأنّهم صادقون فيما أخْبَروا بهِ وأنَّهم بلَّغُوا الرّسالةَ وأَدَّوُا الأمانةَ وأنَّهم بيّنوا ما لا يَسَعُ أحدًا ممَّن أُرسِلُوا إليهم جَهلُه ولا يَحِلُّ خِلافُه وأنَّه يجبُ احترامُهم وأَنْ لا يفرّقَ بينهم، فيجبُ الإيمانُ بمنْ سمَّى اللهُ في كتابِه من رسلِه وأَنَّ للهِ رسُلًا غيرَهم وأنبياءً لا يعلمُ عددَهم إلا اللهُ، فعلينا الإيمانُ بهم جُمْلَةً لأنّه لم يأتِ نصٌّ صحيحٌ في عددِهم، وقد قال تعالى: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ) الآية، وقد سبقَ الكلامُ في هذا الموضوعِ.
فيجبُ الإيمانُ بجميعِ الأنبياءِ والمرسَلين، وتصديقُهم بكلِّ ما أَخْبَرُوا به من الغيبِ، وطاعتُهم في كلِّ ما أَمرُوا به ونَهُوا عنه، قال تعالى: (قولواْ آمَنّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) .
قال ابنُ رجبٍ رحمَهُ اللهُ تعالى: والإيمانُ بالرُّسُلِ يلزمُ منه الإيمانُ بجميعِ ما أَخْبَرُوا به من الملائكةِ والأنبياءِ والكتبِ والبعثِ والقَدَرِ وغيِرِ ذلك من صفاتِ اللهِ وصفاتِ اليومِ الآخرِ؛ كالصِّراطِ والميزانِ والجنّةِ والنّارِ ونحوِ ذلك.
وأفضلُ الخلقِ على الإطلاقِ نبيُّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والأفضلُ بعدَه أُولوا الْعَزْمِ من الرّسلِ ثمَّ بَقِيَّةُ الرّسلِ ثمَّ الأنبياءُ، ولا يَبْلُغُ الوَلِيُّ مهما بَلَغَ من الجِدِّ والاجتهادِ في طاعةِ اللهِ درجةَ الأنبياءِ عليهم السّلامُ. وقد شَنَّعَ الشّيخُ تقيُّ الدّينِ رحمهُ اللهُ على من يزعُمُ ذلك وَرَدَّ عليه أَسوأَ رَدٍّ، وقال: إنّ ذلك مُخالفٌ لدينِ الإسلامِ واليهودِ والنّصارى.