التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية
الشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد
الجزء الثاني
( وفي بَابِ وَعِيدِ اللهِ بينَ المُرْجِئةِ و [ بين ] الوَعيدِيَّةِ مِنَ القَدَرِيَّةِ وغَيْرِهِم ) . [1]
(1) قولُه: وفي بابِ وعيدِ اللَّهِ: الوعيدُ: التَّخوِيفُ و التَّهديدُ، فالوعيدُ والإيعادُ في الشَّرِّ، وأمَّا الوَعْدُ والعِدَةُ ففي الخيرِ، كما قال الشَّاعرُ:
وإنِّي وإنْ أوْعدتُه أوْ وعَدْتُه لمُخْلِفُ إِيعَادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدي
قولُه: المُرْجِئةُ: المُرْجِئةُ نسبةٌ إلى الإرجاءِ، أيْ: التَّأخيرِ؛ لأنَّهم أخَّروا الأعمالَ عن الإيمانِ، حَيْثُ زَعَموا أنَّ مرتكبَ الكبيرةِ غيرُ فاسقٍ، وأنَّ النَّاسَ في الإيمانِ سواءٌ، فإيمانُ أفْسَقِ النَّاسِ كإيمانِ الأنبياءِ، وأنَّ الأعمالَ الصَّالِحةَ ليست مِن الإيمانِ، ويكذِّبون بالوعيدِ والعِقابِ بالكُلِّيَّةِ، ومذهبُهم باطلٌ تردُّه أدلَّةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولا شكَّ أنَّ هذا المذهبَ مِن أخبثِ المذاهبِ وأفسدِها؛ إذ يدعو إلى الانسلاخِ مِن الدِّينِ وإهمالِ جميعِ الأعمالِ، واستباحةِ جميعِ المنكَراتِ، وهؤلاء أَحدُ فِرَقِ المبتَدِعةِ، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّينِ:"لا تختلفُ نصوصُ أحمدَ أنَّه لا يكفِّرُ المُرْجِئةَ، فإنَّ بِدعَتَهم مِن جِنسِ اختلافِ الفقهاءِ في الفروعِ"والمُرْجِئةُ فِرقتانِ:
الأُولى: الذين قالوا: إنَّ الأعمالَ ليست مِن الإيمانِ، وهُم مع كونِهم مبتدعةً في هَذَا القولِ فقد وافَقوا أهلَ السُّنَّةِ على أنَّ اللَّهَ يعذِّبُ مَن يعذِّبُه مِن أهلِ الكبائرِ بالنَّارِ، ثم يخرِجُهم بالشَّفاعةِ، كما جاءتْ به الأحاديثُ الصَّحيحةُ، وعلى أنَّه لا بُدَّ في الإيمانِ أنْ يتكلَّمَ به بلسانِه، وعلى أنَّ الأعمالَ المفروضةَ واجبةٌ وتارِكُها مستحِقُّ للذَّمِّ والعِقابِ، وقد أُضِيفَ هَذَا القولُ إلى بعضِ الأئِمَّةِ مِن أهلِ الكوفةِ.
أما الفِرقةُ الثَّانيةُ: فهم الذين قالوا: إنَّ الإيمانَ هُوَ مجرَّدُ التَّصدِيقِ بالقلبِ، وإنْ لم يَتكلَّمْ به، ولا شكَّ في فسادِ هَذَا القولِ، ومصادمَتِه لأدلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فإنَّ الإيمانَ قولٌ باللِّسانِ، وعملٌ بالأركانِ، واعتقادٌ بالجَنَانِ، فإذا اخْتَلَّ واحدٌ مِن هَذِهِ الأركانِ لم يكُن الرَّجُلُ مؤمِنا، وعلى هَذَا أدلَّةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ودَرَج على هَذَا السَّلَفُ الصَّالِحُ مِن الصَّحابةِ والتَّابِعينَ ومَن بعدَهم مِن أئِمَّةِ المسلِمِينَ. انتهى. مِن كلامِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- بتصرُّفٍ.
قولُه: الوعيديَّةُ: وهُم القائِلون بالوعيدِ، وهُوَ أصْلٌ مِن أصولِ المعتزِلة، وهُوَ أنَّ اللَّهَ لا يَغفِرُ لمرتكبِ الكبيرةِ إلاَّ بالتَّوبةِ، وأنَّ أهلَ الكبائرِ مخلَّدون في النَّارِ، ويخرِجُونهم مِن الإيمانِ بالكُلِّيَّةِ، ويكذِّبون بشفاعةِ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- وغيرِه زعْمًا منهم أنَّه إذا أوْعَدَ عبيدَه فلا يجوزُ أنْ يعذِّبَهم ويُخلِفَ وعيدَه، وهَذَا المذهبُ يقولُ به المعتزِلةُ والخوارجُ، وهُوَ باطلٌ تردُّه أدلَّةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ المتواترةُ والإجماعُ، قال اللَّهُ تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) قال في (فَتحِ المَجِيدِ) : وفي الآيةِ ردٌّ على الخوارجِ المكفرِّين بالذُّنوبِ، وعلى المعتزِلةِ القائِلينَ بأنَّ أصحابَ الكبائرِ يخلَّدون في النَّار، وليسوا عندهم بمؤمِنين ولا كفارٍ، ولا يجوزُ أنْ يُحمَلَ قولُه سبحانه: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) على التَّائبِ، فإنَّ التَّائبَ مِن الشِّركِ مغفورٌ له، كما قال تعالى: (قُلْ يعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذَّنُوبَ جَمِيعًا) فهُنا عَمَّمَ وأَطْلَقَ؛ لأنَّ المرادَ هنا التَّائبُ، وهناك خصَّ وعلَّقَ؛ لأنَّ المرادَ به مَن لم يَتُبْ، هَذَا ملخَّصُ كلامِ شيخِ الإسلامِ تقيِّ الدِّينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-.
أمَّا القولُ الوسَطُ الذي عليه أهلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فهُوَ أنَّ الفاسِقَ معه بعضُ الإيمانِ، وأصلُه معه جميعُ الإيمانِ الواجبِ الذي يستوجِبُ به الجَنَّةَ، فهُوَ تحت مشيئةِ اللَّهِ إنْ عفى عنه أدخَلَه الجَنَّةَ مِن أوَّلِ وهلةٍ، وإلاَّ عذَّبه بقدْرِ ذُنوبِه، ثم أدخَلَه الجَنَّةَ، فلا بدَّ له مِن دخولِ الجَنَّةِ، فلا يُعطَى الإيمانَ المطلَقَ، ولا يُسلَبُ عنه مُطلَقُ الإيمانِ، بل يُقالُ مؤمِنٌ بإيمانِه، فاسِقٌ بكبيرتِه، أو يقالُ مؤمِنٌ ناقصُ الإيمانِ، وهَذَا هُوَ الحقُّ الذي دلَّتْ عليه أدلَّةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ودَرَج عليه السَّلَفُ الصَّالِحُ، عَكْسَ ما عليه الخوارجُ والمعتزِلةُ والمُرْجِئةُ، فالمُرْجِئةُ في طرَفٍ، والخوارجُ والمعتزِلةُ في طرَفٍ آخَرَ، فالخوارجُ والمعتزِلةُ غَلَوْا، والمُرْجِئةُ جَفَوْا، فالمُرْجِئةُ يقولونَ: لا يَضُرُّ مع الإيمانِ ذنبٌ، والخوارجُ يقولون: يكفَّرُ المسلمُ بكُلِّ ذنبٍ. وَكَذَلِكَ المعتزِلةُ يقولون: يَحبَطُ إيمانُه كُلُّه بالكبيرةِ فلا يبقى معه شيءٌ مِن الإيمانِ، لكنَّ الخوارجَ يقولون: يَخرجُ مِن الإيمانِ، ويدخُلُ في الكُفْرِ، والمعتزِلةُ يقولون: يخرجُ مِن الإيمانِ، ولا يدخُلُ في الكُفرِ، بل يكونُ في منزِلةٍ بَيْنَ مَنزِلتَيْنِ، وبقولِهم بخروجِه مِن الإيمانِ أوْجَبوا له الخلودَ في النَّارِ، وكِلاهما مخالِفٌ للسُّنَّةِ المتواترةِ ولإجماعِ سلَفِ الأمَّةِ وَأئِمَّتِها.
وأمَّا استدلالُهم بقولِه سبحانه: (لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى) فقدْ بَيَّنَ النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أنَّ هَذَا الصِّلِيَّ لأهلِ النَّارِ الذين هم أهلُها، كما في حديثِ أبي سعيدٍ، وأنَّ الذين ليسوا هُم مِن أهلِها، فإنِّها تُصيبُهم بذُنوبِهم، وأنَّ اللَّهَ يُميتُهم فيها حتَّى يصيروا فَحْما، ثم يُشَفَّعُ فيهم فيخرجون، ويؤتَى بهم إلى نَهرِ الحياةِ فيَنبُتون كما تَنْبُتُ الحبَّةُ في حميلِ السَّيلِ، وهَذَا المعنى مستفِيضٌ عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- بل متواتِرٌ في أحاديثَ كثيرةٍ في الصَّحيحَيْنِ وغيرِهما مِن حديثِ أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ وغيرِهما، قال والصِّلِيُّ المذكورُ في الآيةِ هُوَ الصِّلِيُّ المطلَقُ، وهُوَ المُكْثُ فيها والخلودُ على وجهٍ يَصِلُ العذابُ إليهم دائما، فأمَّا مَن دخَلَ وخَرَجَ فإنَّه نوعٌ مِن الصِّلِيِّ المطلَقِ. انتهى. مِن كلامِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- بتصرُّفٍ.