الصفحة 123 من 233

( وَفي بَابِ [ أَسْماءِ ] الإِيْمانِ والدِّينِ بينَ الحَرُورِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ، وبَيْنَ المُرْجِئةِ والجَهْمِيَّةِ، وَفي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ [ الرَّافِضَةِ و [ بين ] الخَوَارِجِ ) . [1]

(1) قولُه: وفي بابِ أسماءِ الإيمانِ والدِّينِ: أيْ أنَّ هؤلاء تَنازعوا في الأسماءِ والأحكامِ أيْ: أسماءِ الدِّينِ: مِثلَ مسلمٍ وكافرٍ وفاسقٍ، وَكَذَلِكَ في أحكامِ هؤلاء في الدُّنْيَا والآخرةِ، فالخوارجُ والمعتزِلةُ متَّفِقونَ في اسمِ الدِّينِ مِثلَ مؤمنٍ ومسلمٍ وفاسقٍ وكافرٍ، إلاَّ أنَّ المعتزِلةَ أحْدَثوا المنزِلةَ بَيْنَ المنزِلتَيْنِ، وَهَذِهِ خاصَّةُ المعتزِلةِ التي اختُصُّوا بها دونَ غيرِهم دونَ سائرِ أقوالِهم، فقد شارَكهم فيها غيرُهم، فالخوارجُ والمعتزِلةُ يقولون: إنَّ الدِّينَ والإيمانَ قولٌ وعملٌ واعتقادٌ، ولكنْ لا يَزيدُ ولا يَنقُصُ، ومَن أتى كبيرةً كفَرَ عندَ الحَروريَّةِ، وصار فاسقًا عندَ المعتزِلةِ في منزلةٍ بَيْنَ المنزِلتَيْنِ، لا مؤمِنٌ ولا كافرٌ..وأمَّا الحُكمُ، فالمعتزِلةُ وافَقوا الخوارجَ على حُكمِهم في الآخرةِ، فعندَهم أنَّ مَن أتى كبيرةً فهُوَ خالدٌ مخلَّدٌ في النَّارِ لا يَخرجُ منها لا بشفاعةٍ ولا بغيرِ شفاعةٍ، أمَّا في الدُّنْيَا فالخوارجُ حَكَموا بكفرِ العاصي واستحَلُّوا دَمَه ومالَه، وأمَّا المعتزِلةُ فحَكَموا بخروجِه مِن الإيمانِ ولم يُدخِلُوه في الكفرِ، ولم يستحِلُّوا منه ما استحلَّتْهُ الخوارجُ، وقابَلتُهم المُرْجِئةُ والجهميَّةُ ومَن اتَّبعَهُم، فقالوا: ليس مِن الإيمانِ فِعلُ الأعمالِ الواجبةِ، ولا تَرْكُ المحظوراتِ البَدَنيَّةِ، فإنَّ الإيمانَ لا يَقبلُ الزِّيادةَ ولا النُّقصانَ، بل هُوَ شيءٌ واحدٌ يَستوي فيه جميعُ المؤمنينَ مِن الملائكةِ والمقتَصِدينَ والمُقرَّبِينَ والظَّالِمينَ، فالمُرْجِئةُ يقولون: الإيمانُ مجرَّدُ التَّصديقِ، والجهميَّةُ يقولون: مجرَّدُ المعرفةِ، والأعمالُ ليست مِن الإيمانِ، فإيمانُ أفسقِ النَّاسِ كإيمانِ الأنبياءِ والمرسَلينَ، وقالوا: لا يَضُرُّ مع الإيمانِ ذنْبٌ، فالخوارِجُ والمعتزِلةُ غَلَوْا، والمُرْجِئةُ والجهميَّةُ جَفَوا، وهَدى اللَّهُ أهلَ السُّنَّةِ والجَماعَةِ للقولِ الوَسَطِ، وهُوَ كما تَقدَّمَ أنَّ الإيمانَ والدِّينَ قولٌ وعملٌ واعتقادٌ، وأنَّه يَزيدُ ويَنقُصُ، وأنَّ صاحبَ الكبيرةِ مؤمنٌ بإيمانِه، فاسقٌ بكبيرتِه، أو مؤمنٌ ناقصُ الإيمانِ، وأمَّا حُكمُه في الآخرةِ، فهُوَ تحتَ مشيئةِ اللَّهِ، إنْ شاءَ عفا عنه، وأدخَلَه الجَنَّةَ مِن أوَّلِ وهلةٍ، وإلاَّ عذِّبَ بقَدْرِ ذُنوبهِ ثم دخَلَ الجَنَّةَ، فلا بدَّ له مِن دخولِ الجَنَّةِ، هَذَا هُوَ القولُ الحقُّ الذي تدلُّ عليه أدلَّةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وعليه السَّلَفُ الصَّالِحُ والأئِمَّةُ.

قولُه: الحروريَّةُ: هم الخوارجُ، سُمُّوا حروريَّةً نسبةً إلى قريةِ حَروراءَ بالفتحِ والمَدِّ، قريةٌ بالعراقِ قريبةٌ مِن الكوفةِ اجتمعوا فيها حين خرجُوا على عليٍّ -رضي اللَّهُ عنه- فسُمِّيَ الخوارجُ حَروريَّةً.

وأمَّا المعتزِلةُ فهم أصحابُ واصلِ بنِ عطاءٍ الغزَّالِ، اعتزلَ عن مجلِسِ الحسَنِ البصريِّ، وأخَذَ يقرِّرُ أنَّ مرتكبَ الكبيرةِ لا مؤمنٌ ولا كافرٌ، ويُثبِتُ له المنزِلةَ بَيْنَ المنزِلتَيْن. فقال الحسَنُ: قد اعتزلَ عنَّا واصِلٌ، ويُلقَّبُون بالقَدَريَّةِ لإسنادِهم أفعالَ العِبادِ إلى قُدْرتِهم، وقالوا: إنَّ مَن يقولُ بالقدَرِ خيرِه وشرِّه مِن اللَّهِ أولى باسمِ القَدَريَّةِ، ويردُّه قولُه -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( القَدَريَّةُ مَجوسُ هَذِهِ الأمَّةِ ) ). ولَقَّبوا أنْفُسَهم بأصحابِ العدلِ والتَّوحيدِ، لقولِهم بوُجوبِ الأصلحِ على اللَّهِ، وقولِهم بنَفْي الصِّفاتِ، وبأنَّ كلامَه مخلوقٌ مُحدَثٌ، وبأنَّه غيرُ مَرئيٍّ في الآخرةِ، ويجِبُ عليه رعايةُ الحكمةِ في أفعالِه، وثوابُ المطيعِ والتَّائبِ، وعِقابُ صاحبِ الكبيرةِ، ثم افترَقوا عشرين فِرقةً يكفِّر بعضُهم بعضا.

قولُه: الرَّافضةُ: من الرَّفْضِ وهُوَ التَّرْكُ، سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لأنَّهم قالوا لِزَيدِ بنِ عليِّ بنِ الحُسينِ بنِ أبي طالِبٍ:"تبرَّأْ مِن الشَّيخَيْنِ أبي بكرٍ وعُمرَ -رضي اللَّهُ عنهما-"فقال:"معاذَ اللَّهِ، وَزِيرا جَدِّي"فتركوه ورَفضوه، فسُمُّوا رافِضةً، والنِّسبةُ رافضيٌّ، والرَّافِضةُ فِرقٌ شتَّى، قد تكفَّلَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ بنُ تيميَةَ ببَيانِ مذهبِهم والردِّ عليهم في كتابِه (منهاجِ السُّنَّةِ) ويُلقَّبون بالشِّيعةِ، وكان هَذَا اللَّقَبُ في الأصلِ للذين ألَّفُوه في حياتِه كسلْمانَ وأبي ذَرٍّ والمقدادِ وعمارٍ وغيرِهم، ثم صار بعد ذلك لقبًا على مَن يَرى تفضيلَه على كُلِّ الصَّحابةِ، ويرى أمورًا أُخْرى لا يَرضاها عليٌّ ولا أَحدٌ مِن ذُرِّيَّتِه ولا غيِرهم ممَّن يُقتدَى به، قال في (المنهاجِ) : سُمُّوا بالشِّيعةِ لمَّا افْترَقَ النَّاسُ فِرقتَيْنِ: فرقةٌ شايَعتْ أولياءَ عثمانَ، وفرقةٌ شايَعتْ عليًّا -رضي اللَّهُ عنه-. ولم يكونوا يُسَمَّوْن رافضةً في ذلك الوقتِ، وإنَّما سُمُّوا رافضةً لمَّا خرجَ زيدُ بنُ عليِّ بنِ الحسينِ في الكوفةِ في خلافةِ هشامِ بنِ عبدِ المَلِكِ، فسألَتْهُ الشِّيعةُ عن أبي بكرٍ وعُمرَ فتَرَحَّم عليهما فرَفَضَه قومٌ. فقال: رفضتموني فسُمُّوا رافضةً، وتولاَّه قومٌ فسُمُّوا زَيْديَّةً لانتسابِهم إليه. انتهى.

قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-:"أوَّلُ مَن ابتدعَ الرَّفضَ عبدُ اللَّهِ بنُ سبأٍ، وكان منافقًا زِنديقًا أرادَ إفسادَ دينِ الإسلامِ، كما فَعلَ بولس صاحبُ الرسائلِ التي بأيدي النَّصارى، حَيْثُ ابتدعَ لهم بِدعًا أفسَدَ بها دِينَهم -وكان يهوديًّا - فأظْهَرَ النَّصرانيَّةَ نفاقًا لقَصدِ إفسادِ مِلَّتهِم، وَكَذَلِكَ كانَ ابنُ سبأٍ يهوديًّا فأظْهرَ الإسلامَ والتَّنسُّكَ والأمرَ بالمعروفِ والنَّهْيَ عن المنكَرِ، ليتمكَّنَ بِذَلِكَ مِن أغراضِه الفاسدةِ، فسعى في فتنةِ عثمانَ بنِ عفَّانَ وقتْلِه، ثم لما قَدِمَ الكوفةَ أظْهَرَ الغُلُوَّ في عليِّ بنِ أبي طالبٍ، فبَلَغ ذلك علِياًّ فطلَبه ليَقتُلَه فهرب إلى قرقيسا". انتهى.

والرَّافضةُ مِن أخبثِ الطَّوائِفِ حتى أخْرجَهُم بعضُ العلماءِ مِن فِرقِ الأُمَّةِ، ورُوِيَ عن الشَّعْبيِّ أنَّه قال: أحذِّرُكم هَذِهِ الأهواءَ المُضِلَّةَ وشَرُّها الرَّافِضةُ، لم يدخلوا في الإسلامِ رغبةً ولا رهبةً، ولكنْ مَقْتًا لأهلِ الإسلامِ، وبَغْيًا عليهم، قد حرَّقَهُم عليُّ بنُ أبي طالبٍ ونفاهُم إلى البُلدانِ، منهم عبدُ اللَّهِ بنُ سبأٍ - يهوديٌّ مِن أهلِ صنعاءَ نفاه إلى ساباط - وعبدُ اللَّهِ بنُ يسارٍ - نَفاهُ إلى خازر - وكلامُ أهلِ العِلمِ في ذمِّهِم كثيرٌ جداًّ.

وأمَّا الخوارجُ فسُمُّوا بِذَلِكَ لخُروجِهم على عليِّ بنِ أبي طالبٍ -رضي اللَّهُ عنه- ومفارقَتِهم له، وقد ثَبَتَ أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( تمرُقُ مارِقةٌ على حينِ فُرْقةٍ مِن النَّاسِ، تقتُلُهم أوْلى الطَّائفتَيْنِ بالحَقِّ ) )فخَرجوا في زَمَنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ -رضي اللَّهُ عنه- فقتَلَهُم عليٌّ وطائفتُه. وقال -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- في حقِّهم: (( يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ، يَقْرَؤونَ الْقُرآنَ لاَ يُجاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ ) ). وقد روى مسلمٌ أحادِيثَهم في"صحيحِه"مِن عشَرةِ أوجُهٍ، واتَّفقَ الصَّحابةُ على قِتالِهم، وفي التِّرْمِذِيِّ عن أبي أمامةَ الباهِليِّ عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- في الخوارجِ: (( إِنَّهُمْ كِلاَبُ أَهْلِ النَّارِ ) ). وقرأ هَذِهِ الآيةَ (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) . وقال الإمامُ أحمدُ:"صحَّ الحديثُ في الخوارجِ مِن عشَرةِ أوجُهٍ". وقد خرجَّها مسلمٌ في"صحيحِه"، وخرَّجَ البخاريُّ طائفةً منها، وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: الخوارجُ هم أوَّلُ مَن كفَّرَ المسلِمِينَ بالذُّنوبِ، ويكفِّرونَ مَن خالَفهم في بِدْعَتِهم، ويَستحِلُّون دمَه ومالَه، وأوَّلُ بدعةٍ حَدَثتْ في الإسلامِ بدعةُ الخوارجِ والشِّيعةِ حديثًا في أثناءِ خلافةِ أميرِ المؤمنينَ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، فعاقَبَ الطَّائفتَيْنِ، أمَّا الخوارجُ فقاتَلُوه فقتَلَهم، وأمَّا الشِّيعةُ فحرَّقَ غالبيتَهُم بالنَّارِ، وطلبَ قتْلَ عبدِ اللَّهِ بنِ سبأٍ فهرَبَ منه، وأمَرَ بجَلْدِ مَن يُفضِّلُه على أبي بكرٍ وعمَرَ، وروي عنه من وُجوهٍ كثيرةٍ، أنَّه قال: خيرُ هَذِهِ الأمَّةِ بعد نبِّيها أبو بكرٍ وعمرُ. ورواهُ عنه البخاريُّ في"صحيحِه". انتهى.

فالخوارجُ والرَّافضةُ في أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في طرَفَيْ نَقيضٍ، فالرَّافضةُ غَلَوْا في عليِّ بنِ أبي طالبٍ وأهلِ البيتِ، وكفَّروا جميعَ الصَّحابةِ كالثَّلاثةِ، ومَن وَالاهُم وفسَّقُوهم، ويكفِّرون مَن قاتلَ علِياًّ، ويقولون إنَّ علياًّ إمامٌ معصومٌ، وقالوا: لا ولاءَ إلا ببراءٍ، أيْ لا يتولَّى أحدٌ علياًّ حتى يتبرَّأَ مِن أبي بكرٍ وعمرَ، وقد تَقدَّمَ الكلامُ عليهم.

وأمَّا الخوارجُ فإنهم يكفِّرون علياًّ وعثمانَ ومَن وَالاهُما، وأمَّا أهلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فقولُهم في الصَّحابةِ وسَطٌ لم يَغْلُوا غُلُوَّ الرَّافضةِ، ولم يَجْفُوا كالخوارجِ، بل وَالَوْا جميعَ الصَّحابةِ وأَحَبُّوهم وعرَفُوا فضْلَهُم وأنْزَلُوهم مَنازِلَهُم التي يستحِقُّونها، فلم يَغمِطوهم حقَّهُم، ولم يَغْلُوا فيهم واعتقدوا أنَّهم أفْضلُ هَذِهِ الأمَّةِ عِلمًا وعَملًا، فرِضوانُ اللَّهِ عليهم أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت