الصفحة 124 من 233

( فَصْلٌ: وقَدْ دَخَلَ فيما ذَكَرْنَاهُ مِن الإِيمانِ باللهِ الإِيْمانُ بِما أَخْبَرَ اللهُ بهِ في كِتابِهِ، وتَوَاتَرَ عَنْ رَسُولِهِ، وأَجْمَعَ عليِه سَلَفُ الأمَّةِ؛ [1]

(1) قولُه: (تَواتَرَ) : التَّواتُرُ لغةً: التَّتابُع بِعُلُوٍّ. واصطلاحًا خبرُ عددٍ يمتَنِعُ معه لكَثرَتِه تواطءٌ على الكَذِبِ عن محسوسٍ، ويَنقسِمُ إلى قِسمَيْنِ: (الأوَّلُ) : لفظيٌّ، وهُوَ ما اشْتركَ عدُده في لفظٍ بعَيْنِه، وَذَلِكَ كحديثِ: (( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) ). رواه نيِّفٌ وستُّون منهم العشَرةُ. (الثَّاني) : معنويٌّ، بأنْ يتواتَرَ معنًى في ضِمنِ أحاديثَ مختلفةِ الألفاظِ متَّحِدةِ المعنى.

قولُه: (سَلَفُ الأُمَّةِ) : أيْ متقَدِّمُوهم، والمرادُ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وهم الصَّدْرُ الأوَّلُ مِن التَّابِعينَ وغيرِهم، الذين هُم حَمَلةُ الشَّريعةِ، ونَقَلَةُ الدِّينِ على التَّحقيقِ.

قولُه: (وقد دخل) . إلخ، أي وقد دخَلَ في الإيمانِ باللَّهِ الإيمانُ بعُلُوِّه -سبحانه- وفوقِيَّتِه واستوائِه على العرشِ، فمَن لم يؤمِنْ بعُلُوِّه وفوقِيَّتِه لم يؤمِنْ به، ولم يُصَدِّقْ رُسلَه، ولم يؤمِنْ بكتابِه، وبما جاء به رسولُه مُحَمَّدٌ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-. قال إمامُ الأئمَّةِ ابنُ خزيمةَ: مَن لم يُقِرَّ بأنَّ اللَّهَ على عرشِه استوى فوقَ سبعِ سماواتٍ، وأنَّه بائِنٌ مِن خَلقِه، فهُوَ كافِرٌ يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلاَّ ضُرِبَتْ عُنُقُه، وأُلْقِيَ على مِزْبلةٍ لئلاَّ يتأذَّى بِريحِه أهلُ القِبلةِ وأهلُ الذِّمَّةِ.

قولُه: (بما أخبرَ اللَّهُ في كتابِه وتواتَرَ عن رسولِه) : كما قال سبحانه: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) . وقولُه: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِن فَوْقِهِمْ) إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الآياتِ الصَّريحةِ في إثباتِ العُلُوِّ التَّامِ بجميعِ أنواعِه والفَوقِيَّةِ، وقد تَقدَّمَ ذِكرُ أنواعِ العُلُوِّ والفَوقِيَّةِ، وتَقدَّمَ حديثُ الأوعالِ وغيرُه مِن الأحاديثِ الصَّريحةِ في إثباتِ العُلُوِّ والفوقِيَّةِ، وأدلَّةُ إثباتِ العُلُوِّ والفوقيَّةِ متواتِرةٌ، وانضمَّ إلى ذَلِكَ شهادةُ الفِطَرِ والعُقولِ المستقيمةِ والنُّصوصِ الواردةِ الدَّالَّةِ على عُلُوِّ اللَّهِ، وكَونِه فوقَ عِبادِه تَقْرُبُ مِن عشرين نوعًا، وإفرادُ هَذِهِ الأنواعِ لو بُسِطَتْ لبَلَغَتْ نحوَ ألْفِ دليلٍ كما ذَكَرَه ابنُ القيِّم -رَحِمَهُ اللَّهُ- وغيرُه.

قولُه: (وأجمع عليه سَلَفُ الأمَّةِ) : قال أبو عُمرَ الطلمنكيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: أجمعَ أهلُ السُّنَّةِ على أنَّ اللَّهَ على عرشِه على الحقيقةِ لا على المجازِ، ثم ساقَ بِسَنَدِه عن مالِكٍ قولَه: اللَّهُ في السَّماءِ وعِلمُه في كُلِّ مكانٍ، ثم قال: أجمعَ المسلِمونَ مِن أهلِ السُّنَّةِ أنَّ معنى قولِه: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) ونحوِ ذَلِكَ مِن القرآنِ: أنَّ ذَلِكَ عِلمُه، وأنَّ اللَّهَ فوقَ السَّماواتِ بِذاتِه مُسْتوٍ على عرشِه، وهَذَا كثيرٌ في كلامِ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ والأئمَّةِ، فأثبَتُوا ما أثْبَتَهُ اللَّهُ في كتابِه وعلى لِسانِ رسولِه على الحقيقةِ على ما يَلِيقُ بجلالِ اللَّهِ وعظَمَتِه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت