الصفحة 125 من 233

مِنْ أَنَّهُ سُبْحانَهُ فَوْقَ سَماواتِهِ؛ عَلى عَرْشِهِ، عَلِيٌّ على خَلْقِهِ، وهُو سُبحانَهُ معهُمْ أَيْنما كَانُوا، يَعْلَمُ ما هُم عَامِلُونَ؛ كَمَا جَمَعَ بينَ ذلكَ في قَوْلِهِ:

( هُوَ الَّذي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ في الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْها وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْملَونَ بَصِيرٌ ) . [1]

(1) قولُه: (وهُوَ -سُبْحَانَهُ- معهم أيْنما كانوا يَعلَمُ ما هم عامِلون) . أيْ -سُبْحَانَهُ- مع عِبادِه بعِلمِه وإحاطَتِه واطِّلاعِه ومُشاهَدَتِه، لا يَخفَى عليه منهم شيءٌ، ومَعيَّتُه -سُبْحَانَهُ- لعِبادِه لا تُنافي عُلُوَّه وفوقِيَّتَه، فإنَّه جَمَعَ بينهما في قولِه: (وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ) الآيةَ، كما أشارَ إلى ذَلِكَ المصنِّفُ بقولِه:

(كما جَمعَ بين ذَلِكَ في قولِه:(وهُوَ الذي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ) إلخ. فأخبر -سُبْحَانَهُ- أنَّه خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ، وأنَّه استَوى على عرشِه، وأنَّه مع خَلقِه يُبصِرُ أعمالَهم مِن فوقِ عرشِه، فعُلُوُّه -سبحانَهُ وتعالَى- لا يُناقِضُ معيتَّه، ومعيتُّه لا تُبطِلُ عُلُوَّه بل كِلاهما حَقٌّ، وَهَذِهِ الآيةُ مِن أدلِّ شيءٍ على مُبايَنةِ الرَّبِّ لخَلقِه، فإنَّه لم يخلُقْهم في ذاتِه، بل خَلقَهُم خارجًا عن ذاتِه، ثم بانَ عنهم باستوائِه على عرشِه، وهُوَ يَعلمُ ما هم عليه ويَنفُذُ بَصرُه فيهم، ويُحيطُ بهم عِلمًا وقُدرةً وسمعًا وبَصرًا، وفي هَذِهِ الآيةِ إثباتُ عُلُّوِه -سبحانَهُ وتعالَى- واستوائِه على عرشِه، وفيها إثباتُ عِلمِه، وإحاطةُ عِلمِه بالكُلِّيَّاتِ والجُزئَّياتِ، وبما كان وما يكونُ، وما لم يَكنْ، ولو كان كيف يكونُ، وفيها إثباتُ معيَّتِه -سُبْحَانَهُ- لخَلقِه وأنَّ معيتَّه -سبحانَهُ وتعالَى- لا تُنافى عُلُوَّه وفوقيَّتَه، فإنَّه جَمَع بينهما، وفيها الرَّدُّ على مَن زَعَم أنَّ الاستواءَ مجازٌ، وأنَّ معنى استوى استولى؛ لأنَّ اللَّهَ قال: استوى في عِدَّةِ مواضِعَ، والاستواءُ غيرُ الاستيلاءِ، فإنَّ الاستواءَ معناه العُلُوُّ والارتفاعُ، وأمَّا الاستيلاءُ فلا يكونُ إلا بعدَ مغالَبةٍ، ولأنَّه -سُبْحَانَهُ- خَصَّ العرشَ بالاستواءِ، ولو كان المرادُ الاستيلاءُ لم يَخُصَّه؛ لأنَّه مستولٍ على الخلقِ جميعِهم، وقد رُدَّ تأويلُ الاستواءِ بالاستيلاءِ مِن وجوهٍ عديدةٍ أَنْهاهَا ابنُ القيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- إلى اثنَيْنِ وأربعينَ وجْهًا، وقد تَقدَّمَ ذِكرُ بعضِها، وفي الآيةِ فوائدُ غيرُ ما ذُكِرَ، قد تَقدَّمَت الإشارةُ إليها في الكلامِ على الآياتِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت