ولَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ( وَهُوَ مَعَكُمْ ) أَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بالخَلْقِ؛ فإِنَّ هذا لاتُوجِبُهُ اللُّغَةُ، [ وهُو خِلافُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأمَّةِ، وخِلافُ مَا فَطَرَ اللهُ عليهِ الخَلْقَ،[1]
(1) قولُه: (وليس معنى قولِه:(وَهُوَ مَعَكُمْ) أنَّه مختلِطٌ بالخَلقِ): بل المعنى أنَّه معهم بعِلمِه واطِّلاعِه ومشاهَدَتِه، وقد تَقدَّمَ طرَفٌ مِن الكلامِ في هَذَا الموضوعِ.
قولُه: (فإنَّ هَذَا لا تُوجِبُه اللُّغةُ) . أي لُغةُ العربِ لا تُوجِبُ أنَّ (مع) تفيد اختلاطا أو امتزاجًا أو مجاورة، فإنَّ مع في كلامِ العربِ للصُّحبةِ اللاَّئِقةِ لا تُشْعِرُ بامتزاجٍ، ولا اختلاطٍ، ولا مماسَّةٍ، ولا مجاورةٍ، فتقولُ: زوجتي معي، وهي في مكانٍ وأنتَ في مكانٍ، ويقولونَ: ما زِلْنا نَسيرُ والقمرُ معنا، وقال تعالى: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) . فليس في هَذَا ما يَدُلُّ على الاختلاطِ والامتزاجِ، فكيف تكونُ حقيقةُ المعيَّةِ في حَقِّ الرَّبِ ذَلِكَ، فليس في ذَلِكَ ما يَدلُّ على أنَّ ذاتَه فيهم، ولا مُلاصِقةً لهم ولا مُجاوِرةً بوجهٍ مِن الوُجوهِ، وغايةُ ما تَدلُّ عليه المصاحَبةُ، وهي في كُلِّ موضعٍ بحسَبِه.
قولُه: (وهُوَ خلافُ ما أَجمعَ عليه سَلَفُ الأمَّةِ) : أيْ: أنَّ ما زَعَمه أهلُ البِدعِ أنَّه -سُبْحَانَهُ- في كُلِّ مكانٍ بذاتِه أو أنَّه مختلِطٌ بالخَلقِ ممتزِجٌ بهم، أو حالٌّ فيهم، إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الأقوالِ مبتدَعةٌ مخالِفةٌ ما عليهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ، فإنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ أجمعوا على أنَّ اللَّهَ -سُبْحَانَهُ- مُستوٍ على عرشِه، عالٍ على خَلقِه، بائنٌ منهم ليس في ذاتِه شيءٌ مِن مخلوقاتِه، ولا في مخلوقاتِه شيءٌ مِن ذاتِه، كما تواتَرَتْ بِذَلِكَ الأدِلَّةُ، وقد تَقدَّمَ أيضًا ذِكرُ إجماعِ السَّلَفِ على معنى قولِه: (وَهُوَ مَعَكُمْ) أنَّه معهم بعِلمِه، وقال أبو بكرٍ الآجُرِيُّ إمامُ عصرِه في الحديثِ والفقهِ في كتابِه: فإنْ قال قائِلٌ فما معنى قولِه: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ) الآيةُ، قِيل له: عِلمُه معهم، واللَّهُ على عرشِه، وعِلمُه محيطٌ بهم، كذا فسَّرَهُ أهلُ العِلمِ، والآيةُ تدلُّ أوَّلُها وآخِرُها على أنَّه العِلمُ، وهُوَ على عرشِه، هَذَا قولُ المسلِمِينَ. انتهى.
قولُه: (فَطَرَ) أيْ: خَلَقَ ابتداءً، ومنه (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ) الآيةَ، أي أنَّ ما زَعَموه مِن أنَّه -سُبْحَانَهُ- مختلِطٌ بالخَلقِ أو حالٌّ فيهم خِلافُ ما فَطَرَ اللَّهُ عليه الخَلقَ، فإنَّ الخَلقَ فُطِروا على الإقرارِ بعُلُوِّه -سُبْحَانَهُ- على خَلقِه، وإنما جاءتْ الرُّسلُ بتقريرِ ما في الفِطَرِ والعُقولِ، فالعقلُ الصَّحيحُ لا يُخالِفُ النَّقلَ الصَّريحَ، ولمَّا سألَ النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- الجاريةَ: (( أَيْنَ اللَّهُ؟ ) )قالت: في السَّماءِ. وقال يزيدُ بنُ هارونَ: مَن زعَم أنَّ الرَّحمنَ على العرشِ استوى على خلافِ ما تَقرَّرَ في قلوبِ العامَّةِ فهُوَ جَهْمِيٌّ.
قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: والذي تَقرَّرَ في قلوبِ العامَّةِ هُوَ ما فَطَرَ اللَّهُ عليه الخليقَةَ مِن تَوجُّهِها إلى رَبِّها عندَ النَّوازِلِ والشَّدائدِ إليه تعالى نحوَ العُلُوِّ، لا تَلْتَفِتُ يَمْنةً ولا يَسْرةً، مِن غيرِ مُوقِفٍ وقَفَهم عليه، ولكنَّ فِطرةَ اللَّهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عليها، وما مِن مولودٍ إلاَّ وهُوَ يُولدُ على هَذِهِ الفِطرةِ حتى يُجهِّمَهُ ويَنقُلَهُ إلى التَّعطيلِ مَن يُقيَّضُ له. انتهى.