الصفحة 127 من 233

بلِ القَمَرُ آيةٌ مِنْ آياتِ اللهِ مِن أَصْغَرِ مَخْلوقاتِهِ، وهُو مَوْضوعٌ في السَّماءِ، وهُوَ مَعَ المُسافِرِ وغَيْرِ المُسافِرِ أَيْنما كَانَ. [1]

(1) قولُه: (بل القمرُ آيةٌ) الآيةُ لغةً: العلامَةُ. والآيةُ، والدَّليلُ، والبُرهانُ، والسُّلطانُ، والحُجَّةُ، ألفاظٌ متقارِبةٌ، أيْ أنَّ القمرَ مِن الآياتِ الدالَّةِ على وُجودِه -سُبْحَانَهُ- وعظيمِ قُدرتِه، وأنَّه المستحِقُّ للعِبادةِ، قال اللَّهُ -سُبْحَانَهُ وتعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) الآيةَ، وقد أَقسَمَ اللَّهُ -سُبْحَانَهُ- بالقمرِ الذي هُوَ آيةُ اللَّيلِ، وفيه مِن الآياتِ الباهرةِ الدَّالَّةِ على رُبوبِيَّةِ خالِقه وبارئِه، وحِكمتِه وعِلمِه ما هُوَ معلومٌ بالمشاهَدةِ.

والآياتُ تَنقسِمُ إلى قِسمَيْنِ: آياتٌ مشاهَدةٌ مَرئيَّةٌ، كالسَّماواتِ والأرضِ والشَّمسِ والقمرِ ونحوِ ذَلِكَ، وآياتٌ مسموعةٌ متلُوَّةٌ كالقرآنِ، وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ فإنَّها مُبَيِّنَةٌ ومقرِّرةٌ لما دَلَّ عليه القرآنُ، فآياتُه العَيانِيَّةُ في خَلقِه تدلُّ علىصِدقِ آياتِه المسموعةِ المتلُوَّةِ، كما قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) ، أيْ أنَّ القرآنَ حقٌّ، فأخبَرَ أنَّه يدلُّ بآياتِه المرئيَّةِ على صِدقِ آياتِه المتلُوَّةِ المسموعةِ.

قولُه: (وهُوَ موضوعٌ في السَّماءِ) : أي القمرُ موضوعٌ في السَّماءِ الدُّنْيَا.

قولُه: (وهُوَ مع المسافِرِ) : مِن السَّفَرِ، وهُوَ لغةً: قَطعُ المسافةِ مِن أَسْفَرَ إذا بَرَزَ، ومنه السِّفْرُ وَهِيَ الكُتبُ؛ لأنَّه يُسفِرُ عمَّا فيه، قيل سُمِّيَ السَّفَرُ بالفتحِ سَفَرًا؛ لأنَّه يُسفِرُ عن أخلاقِ الرِّجالِ.

قولُه: (وهُوَ مع المسافِرِ وغيرِ المسافرِ أينما كان) أي: القمرُ مع المسافِرِ وغيرِ المسافِرِ، فإنَّه يُقالُ ما زِلْنَا نَسيرُ والقمرُ معنا أو النَّجْمُ والقمرُ في مكانِه غيرُ مختلِطٍ بهم، ولا مُحاذٍ ولا مماسٍّ ولا مُجاوِرٍ، ولا يَفهَمُ أحدٌ مِنه هَذَا، هَذِهِ لغةُ العَربِ المعروفةُ لَديْهِم، فإذا كان هَذَا القمرُ الذي هُوَ مِن أصغرِ مخلوقاتِ اللَّهِ فكيفَ تكونُ حقيقةُ المعِيَّةِ في حقِّ الرَّبِ ذَلِكَ، فإنَّ غايةَ ما تَدلُّ عليه (مع) المصاحَبةُ، وَهِيَ في كُلِّ موضعٍ بحسَبِه، وقد ضَرَبَ النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- مَثَلًا بِذَلِكَ بالقمرِ -وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى- ولكنَّ المقصودَ بالتَّمثيلِ بيانُ جوازِ هَذَا وإمكانِه، لا تَشبِيهُ الخالِقِ بالمخلوقِ، فقال النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ سَيَرَى رَبَّهُ مُخْلِيًا بِهِ ) ). فقال له أبو رَزينٍ العُقيليُّ: كَيْفَ يا رسولَ اللَّهِ وهُوَ واحدٌ ونحن جَمعٌ؟ فقال النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( سَأُنَبِّئُكَ بِمَثَلِ هَذَا فِي آلاَءِ اللَّهِ، هَذَا الْقَمَرُ كُلُّكُمْ رَآهُ مُخْلِيًا بِهِ، وهُوَ آيةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَاللَّهُ أَكْبَرُ ) )أوْ كما قال النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-، فشَبَّهَ الرُّؤيَة بالرُّؤيةِ، وإنْ لم يكُن المرئيُّ مُشابِهًا للمَرئيِّ، فالمؤمِنونَ إذا رَأَوْا ربَّهُم يومَ القيامةِ وناجَوْه كُلٌّ يَراهُ فوقَه قِبلَ وجْهِهِ، كما يرى الشَّمسَ والقمرَ، ولا مُنافاةَ أصلًا. انتهى. مِن (الحَمويَّةِ) باختصارٍ.

قال ابنُ القيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- على حديثِ أبي رزينٍ: وفيه القياسُ في أدلَّةِ التَّوحيدِ والمَعادِ، والقرآنُ مملوءٌ منه، وفيه أنَّ حُكمَ الشَّيءِ حُكمُ نَظيرِه. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت