وأَهْلِ التَّمْثيلِ المُشَبِّهَةِ، وهُمْ وَسَطٌ في بَابِ أَفْعَالِ اللهِ بينَ الجَبْرِيَّةِ والقَدَرِيَّةِ، [ وغيْرِهِم ] ). [1]
(1) قَولُهُ: وأهلُ التمثيلِ المشبهةُ: أهلُ التمثيلِ المشبهةُ الذينَ شبَّهوا اللهَ بخلقهِ ومثَّلوه بهم - تعالى اللهُ عنْ قَولِهِمْ علوًّا كبيرًا - والتشبيهُ ينقسمُ إلى قسمينِ كما تقدَّمَ:
الأوَّلِ: تشبيهُ الخالقِ بالمخلوقِ، كما تقولُ: للهِ يدٌ كأيدينا، وعينٌ كأعيننا، وقدمٌ كأقدامنَا.
الثاني: تشبيهُ المخلوقِ بالخالقِ كتشبيهِ الأصنامِ والأوثانِ باللهِ -سُبْحَانَهُ وتعالَى عنْ ذلكَ- فإنهُ -سُبْحَانَهُ- لا شبيهَ لهُ ولا مثيلَ لهُ ولا نظيرَ، قال تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) - (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) - (فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأَمْثَالَ) - (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) فالمعطِّلةُ غَلوا في النَّفيِ حتى شبَّهوه بالمعدوماتِ والناقصاتِ، والمشبهةُ غَلوا في الإثباتِ حتى شَبهوهُ بالمخلوقاتِ، وأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ أثبتوا للهِ الأسماءَ والصفاتِ ونفَوا عنه مشابهةَ المخلوقاتِ.
قَولُهُ: وهم وسطٌ في أفعالِ اللهِ بينَ الجبريةِ والقدريَّةِ: فالجبريةُ نفوا أفعالَ العبادِ، وزعموا أنهمْ لا يفعلونَ شيئًا ألبتَّةَ، وإنَّما اللهُ هو فاعلُ تلكَ الأفْعَالَ حقيقةً، فهي نفسُ فعلِه لا أفعَالِهم، والعبيدُ ليس لهم القدرةُ ولا إرادةٌ ولا فعلٌ ألبتَّةَ، وإنَّما أفعالُ العبادِ كحفيفِ الأشجارِ أو كحركةِ المرتعشِ والكلُّ فعلُ اللهِ، وعليهِ فسائرُ الأفعالِ طاعةٌ؛ لأنَّها موافِقةٌ لإرادَةِ اللهِ الكونيَّةِ القَدَرِيَّةِ، فالزِّنا واللِّواطُ والقتلُ وشربُ الخمرِ على هذا القولِ طاعاتٌ، وقدْ قالَ بعضُ غلاتِهمْ:
أصبحتُ منفعلًا لما يختارُهُ ربِّي ففعلِي كلُّه طاعاتُ
ولا شكَّ في فسادِ هذا المذهبِ، وأدلَّةُ الكتابِ والسنَّةِ بل والعقلُ متواطِئةٌ على ردِّه وإبطالِه، بلْ لا يمكنُ أن تعيشَ أمَّةٌ على هذا المذهبِ الخبيثِ، أو تَنْتَظمَ أمورُها، ولاَ شكَّ أنَّ هذا المذهبَ مخالفٌ لجميعِ أديانِ الأنبياءِ، والجبريَّةُ سمُّوا بذلكَ لأنَّهم يقولونَ: إنَّا مجبورونَ على أفعالِنَا، فَغلوا في إثباتِ القَدَرِ، وزعموا أنَّ العبدَ لا فِعلَ له ألبتَّة، قال في التعريفاتِ: الجبريَّةُ مِن الجبرِ، وهوَ إسنادُ فعلِ العبدِ إلى اللهِ، والجبريَّةُ اثنانِ متوسطةٌ تثبتُ للعبدِ كسبًا في الفعلِ كالأشعريَّةِ، وخالصةٌ لا تثبتُ كالجهميَّةِ، انتهى.
ولفظُ جبرٍ لفظٌ مبتدعٌ أنكرهُ السَّلفُ، كالثوريِّ، والأوزاعيِّ، وأحمدَ، وغيرهِم، وقالوا: الجبرُ لا يكونُ إلاَّ مِن عاجِزٍ، فيقالُ جَبر كما جاءتْ بهِ السُّنَّةُ، أشارَ إلى ذلكَ الشيخُ تقيُّ الدينِ وابنُ القيِّمِ رحمهما اللهُ، وأصلُ قولِ الجبريةِ مأخوذٌ عن الجهمِ بنِ صفوانَ، فهو إمامُ المجبِّرَةِ، والجبريَّةُ عكسُ القَدَرِيَّةِ نفاةِ القَدَرِ، فإنَّ القَدَرِيَّةَ نُسبوا إلى القدرِ لنفيهمْ إياهُ، وقدْ تُسمَّى الجبريَّةُ قَدَريَّةً؛ لأنهم غَلوا في إثباتِ القَدَرِ، والتَّسميةُ على النَّافين أغلبُ: قال الشيخُ تقيُّ الدينِ في (تائيَّتهِ) :
ويُدْعَى خصومُ اللهِ يومَ معادِهِمْ إلى النَّارِ طُرًّا فرقةَ القَدَريَّةِ
سواءٌ نَفَوْا أو قد سَعَوْا ليُخَاصِمُوا بهِ اللهَ أو مَاروا بِه للشَّريعَةِ
فالقَدَرِيَّةُ النُّفاةُ همُ الَّذين وَرَدَ فيهم الحديثُ الَّذي في السُّنَنِ أنَّهم مجوسُ هذهِ الأمَّةِ، وأكثرُ المعتزلَةِ على هذا المذهبِ الباطِلِ، فإنهم يقولونَ: إنَّ أفعالَ العبادِ وطاعتِهِمْ ومعاصيهِمْ لم تدخلْ تحتَ قضاءِ اللهِ وقدَرِه، فاللهُ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- على زعمِهمْ لا يَقْدِرُ على أفعالِ العبادِ ولا شاءَها منهمْ، ولكنَّهم يعملونَها دونَ مشيئةِ اللَّهِ وقدرتِه، وأنَّ اللَّهَ لا يَقدِرُ أنْ يَهدِيَ ضالًا ولا يُضِلَّ مهتديًا، فأثبتوا خالِقًا مع اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وهذا إشراكٌ مع اللَّهِ في توحيدِ الرُّبُوبيَّةِ.
قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ -رحمَه اللهُ-:"وقَولُ القدريَّةِ يتضمَّنُ الإشراكَ والتَّعطِيلَ، فإنَّه يتضمَّنُ إِخْراجَ بَعضِ الحوادثِ عن أنْ يكونَ لها فاعِلٌ، ويتضمَّنُ إثباتَ فاعِلٍ مستقِلٍّ غيرِ اللَّهِ، وهاتان شُعبتانِ مِن شُعَبِ الكُفرِ، فإنَّ أَصْلَ كُلِّ كُفرٍ هو التَّعطيلُ والشِّركُ". انتهى. (منهاج) .وقد وَرَدَتْ أحاديثُ في ذمِّ القدريَّةِ وأنَّهم مجوسُ هذه الأمَّةِ، وذلك لمضُاهاةِ قولِهم لقولِ المجوسِ، فإنَّ المجوسَ يُثبِتونَ خالِقَيْنِ، خالِقِ الخيرِ وخالِقِ الشَّرِّ، وهما النُّورُ والظُّلمةُ، فالنُّورُ خالِقُ الخيرِ، والظُّلمةُ خالِقَةُ الشَّرِّ، وكذلك القدريَّةُ أَثْبَتوا خالِقَيْنِ: أَثْبَتوا أنَّ اللَّهَ خالِقُ الحيوانِ وأنَّ الحيوانَ يَخْلُقُ فِعلَ نَفْسِه، فمِمَّا ورَدَ في ذَمِّهِم ما رواه أبو داودَ في"سننِه"مِن حديثِ ابنِ عمرَ أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأمَّةِ، إِنْ مَرِضُوا فَلاَ تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلاَ تَشْهَدُوهُمْ ) ). ورُوِيَ في ذمِّ القَدَرِيَّةِ أحاديثُ أُخَرُ، تكلَّمَ أهلُ الحديثِ في صِحَّةِ رَفْعِها، والصَّحيحُ أنَّها موقوفةٌ، وأوَّلُ مِن تكلَّمَ في القَدرِ معبدٌ الجهنيُّ، ثمَّ غيلانُ الدِّمشقيُّ، وكانَ ذلكَ في آخرِ عصرِ الصَّحابَةِ، وأنكرَ عليهمُ الصَّحابةُ وتبرَّءوا منهم وبَدَّعُوهم، فالجبريَّةُ غَلَوْا في إثباتِ القدَرِ، والمعتزِلَةُ غَلَوْا في نَفْيِه، وهَدى اللَّهُ أهلَ السُّنَّةِ والجَماعَةِ للقولِ الوسَطِ الَّذي تؤيِّدُه أدلَّةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فأَثْبَتوا أنَّ العِبادَ فاعِلون حقيقةً، وأنَّ أفعالَهم تُنْسَبُ إليهم على جِهةِ الحقيقةِ لا على جِهةِ المجازِ، وأنَّ اللَّهَ خالِقُهم وخالِقُ أفعالِهم، كما قال: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) وأثبتوا للعبدِ مَشيئةً واختيارًا تابِعَيْنِ لمشيئةِ اللَّهِ، كما قال -سبحانه-: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) . وسيأتي الكلامُ على هَذِهِ المباحِثِ إنْ شاءَ اللَّهُ.