الصفحة 120 من 233

( فهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ صِفَاتِ اللهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالى بَيْنَ أَهْلِ التَّعْطيلِ الجَهْمِيَّةِ. [1]

(1) قَولُهُ: فهمْ وسطٌ في بابِ صفاتِ اللهِ: أي أهلُ السُّنَّةِ وسطٌ، أيْ عدلٌ خيارٌ معتدلونَ بينَ الطرفينِ المنحرفيْنِ، فهم معتدلونَ في بابِ توحيدِ اللهِ، يصفونهُ -سُبْحَانَهُ- بما وصفَ بهِ نفسهُ وبما وصفهُ بهِ رسولهُ أعرفُ الناسِ بربهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- مِنْ غيرِ تعطيلٍ فلا ينْفي عنهُ ما وصفَ بهِ نفسهُ أوْ وصفهُ بهِ رسولُهُ، ولا تشبيهَ فلا يقالُ لهُ سمعٌ كأسماعِنا، ولا بصرٌ كأبصارِنا ونحوُ ذلكَ، كما قال سُبْحَانَهُ: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) فقَولُهُ: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ردٌّ على المشبِّهَةِ، وقَولُهُ: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ردٌّ على المعطلَةِ.

قَولُهُ: أهلُ التعطيلِ: أي الذين نَفوا حقائقَ أسماءِ اللهِ وصفاتهِ وعطلوهُ منها، مِن الجهميةِ والمعتزلةِ والأشاعرةِ وأشباههِم، فالجهميةُ نفَوا صفاتِ اللهِ لَفظَها ومعناها، وزعموا أنَّ إثباتَها يفضيِ إلى التشبيهِ فعطَّلوهَا، فرُّوا مِن شيءٍ ووقعوا في أشدَّ منْهُ، فإنهم لم يعطِّلوها حتى شَبَّهوا اللهَ -سُبْحَانَهُ- بخلقهِ، واعتقدوا أنَّ صفاتِ اللهِ كصفاتِ المخلوقِ، فعطلوها فرارًا منَ التشبيهِ بزعمِهِم، فوقَعوا في أشدَّ مِن ذلكَ، وهو تشبيهُه -سُبْحَانَهُ وتعالَى- بالمعدوماتِ والناقصاتِ، فشبَّهوا أوَّلًا وعطلوا ثانيًا، ثم شَبَّهوا ثالثًا، فإنَّ مَن لا صفاتَ لهُ بالكليَّةِ لا وجودَ لَهُ، فإنَّ مَن ليسَ لهُ سمعٌ ولا بصرٌ ولا قدرةٌ، ولا إرادةٌ ولا هو فوقَ ولا أسفلَ ولا يمينَ ولا شمالَ إلى آخرِ ما هوَ موجودٌ في كُتبهم ليسَ لهُ وجودٌ بالكليةِ، بلْ هوَ مقدَّرٌ في الأذهانِ لا وجودَ له في الأعيانِ، تعالى اللهُ عنْ قَولِهِمْ علوًّا كبيرًا، وكلامُ العلماءِ في ذمِّهمْ وأنهم يدورونَ على أنْ يقولوا ليسَ ثمَّ إلاَّ العدمُ المحضُ كثيرٌ، وأمَّا المعتزلةُ فأثبتوا الأسماءَ ونَفَوا المعانيَ، فيقولون إنُّهُ -سُبْحَانَهُ- سميعٌ بلا سمعٍ، بصيرٌ بلا بصرٍ، عليمٌ بلا علمٍ إلى غيرِ ذلك مما يقولونه، وتصوُرَ هذا المذهبِ كافٍ في ردِّه وإبطالِه، وأمَّا الأشاعرةُ فأثبتوا للهِ بعضَ الصفاتِ ونفَوا البعضَ، فاضطربوا وتناقَضُوا.

قَولُهُ: الجهميةُ: نسبةً إلى الجهمِ بنِ صفوانَ التِّرمذيِّ الضَّالِّ، والنسبةُ إليهِ جَهميٌّ بفتحِ الجيمِ، والجهمُ أخذَ بدعتهُ هذه، أي بدعةُ تعطيلِ الصفاتِ مِن الجعدِ بنِ درهَمٍ، فهو أولُ مَنْ تكلمَ في التعطيلِ في الإسلامِ، فقتلهُ خالدُ بنُ عبدِ الله القسريُّ بعدَ أنْ استشارَ علماءَ التابِعين فأفتَوْا بقتلِه، فخطبَ في يومِ عيدِ الأضحى فقالَ: يا أيها الناسُ ضحُّوا تقبَّلَ اللهُ ضحاياكمْ فإني مُضَحٍّ بالجعدِ بنِ درهَمٍ، فإنه زعمَ أنَّ اللهَ لم يتخذْ إبراهيمَ خليلًا ولمْ يكلمْ موسى تكليمًا، فنَزلَ فذبحهُ في أصلِ المنبرِ، قال ابن القيِّمِ رحمهُ اللهُ.

ولذا ضَحَّى بجعدٍ خالدٌ الـ قسريُّ يومَ ذبائحِ القربانِ

إذْ قالَ إبراهيمُ ليسَ خليلَه كلاَّ ولا موسى الكليمُ الدَّاني

شكرَ الضَّحيةَ كلُّ صاحبِ سُنَّةٍ لله درُّكَ من أخي قربانِ

والجعدُ بنُ درهمٍ أوَّلُ مَن قال بخلقِ القرآنِ، أخذَ بدعتَه عن أبانَ بنِ سمعانَ، وأخذها أبانُ عن طالوتَ بنِ أختِ لبيدِ بنِ الأعصمِ زوجِ بنْتِه، وأخذَها لبيدُ عن يهوديٍّ باليمنِ، وأخذَ هذه البدعةَ عنِ الجعدِ الجهمُ بنُ صفوانَ التِّرمذيُّ، وأخذَ عن الجهمِ بِشرٌ المَرِّيسيُّ، وأخذها عن بشرٍ أحمدُ بنُ أبي داودَ، وأما الجهمُ بنُ صفوانَ فقتلهُ سلمُ بنُ أحوزَ أميرُ خراسانَ سنةَ مائةٍ وثمانيةٍ وستينَ، ونُسبت الطائفةُ إلى الجهْمِ؛ لأنَّه الَّذي ناضلَ عن هذا المذهبِ الخبيثِ وأظهرهُ ودعا إليهِ، وتقلدَ هذا المذهبَ الخبيثَ بعدهُ المعتزلَةُ، ولكنْ كانَ الجهمُ أدخلَ في التعطيلِ مِنهم؛ لأنَّهُ ينكرُ الأسماءَ حقيقةً وهمْ لا ينكرونَ الأسماءَ بل الصفاتِ، قال جمعٌ مِن العلماءِ في الجهميةِ: إنهم ليسوا مِن فرقِ هذهِ الأمَّةِ الثنتينِ والسبعينَ فرقَةً، منهم عبدُ اللهِ بنُ المباركِ ويوسفُ بنُ أسباطٍ وغيرُهم.

قال ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللهُ في (النُّونيَّةِ) :

ولقدْ تقلدَ كُفرَهمْ خمسونَ في عشرٍ منَ العلماءِ في البلدانِ

واللالكائيِّ الإمامُ حكاهُ عنهم بلْ قدْ حكاهُ قبلهُ الطبرانيِ

قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ رحمَه اللهُ: المشهورُ مِن مذهبِ الإمامِ أحمدَ وعامَّةِ أئمَّةِ السنةِ تكفيرُ الجهميةِ، وهم المعطلةُ لصفاتِ الرحمنِ، فإنَّ قَولَهُمْ صريحٌ في مناقضةِ ما جاءتْ بهِ الرسلُ من الكتابِ والسنَّةِ، وحقيقةُ قَولِهِمْ جحودُ الصانعِ وجحودُ ما أخبرَ بهِ على لسانِ رسولهِ بلْ وجميعِ الرسُلِ، ولهذا قال عبدُ اللهِ بنُ المبارَكِ: إنا لنحكي كلامَ اليهودِ والنَّصارى ولا نستطيعُ أنْ نحكيَ كلامَ الجهميَّةِ، وقال غيرُ واحدٍ من الأئمَّةِ: إنهم أكفرُ مِن اليهودِ والنصارَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت