كَما أنَّ الأمَّةَ هِيَ الوَسَطُ في الأمَمِ. [1]
(1) قَولُهُ: كما أنَّ هذه الأمَّةَ هي الوسطُ في الأممِ قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) ، أي: عَدلًا خيارًا، لتوسُّطِها بين الطَّرفين المذمُومينِ، فلم يَغلوا غلوَّ النَّصارى، ولم يُقَصِّروا كتقصيرِ اليهودِ، ولكنَّهم أهلُ وسطٍ واعتدالٍ، فهم مُعتدلون في بابِ توحيدِ اللهِ إذ كان اليهودُ يصفونَ اللهَ بالنقائِصِ ويشبِّهونه بالمخلوقِ، كما أخبرَ اللهُ عنهمْ أنهم: (قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ) ونَفى عنْ نفسهِ اللغوبَ الَّذي وصفوهُ بِه، والنصارى يصفونَ المخلوقَ بصفاتِ الخالقِ التي اختصَّ بها، فلا يشركهُ فيها غيرُهُ كالإلهيةِ وغيرِهَا، وقالوا بأنَّ المسيحَ هوَ اللهُ، وقالوا: ابنُ اللهِ وثالثُ ثلاثَةٍ، وأمَّةُ محمدٍ وسطٌ يعبدونَ اللهَ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- ويصفونَه بما وصفَ بهِ نفسَه ووصفهُ بهِ رسولُهُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فوصفوهُ بصفاتِ الكمالِ ونزَّهوهُ عنْ صفاتِ النَّقصِ والعيبِ، وكذلكَ في النبوَّاتِ، فاليهودُ تقتلُ الأنبياءَ، وتستكبرُ على أتباعهِم، والنَّصارى يجعلونَ مَن ليس بنبيٍّ ولا رسولٍ نبيًّا ورسولًا، وهذه الأمَّةُ تؤمنُ بجميعِ أنبياءِ اللهِ ورسلِه، وأمَّا الشرائعُ فاليهودُ منعوا الخالقَ أنْ يبعثَ رسولًا بغيرِ شريعةِ الرَّسولِ الأوَّلِ، والنصارى جوَّزوا لأحبارهمْ أنْ يُغيروا مِن الشرائعِ ما بعثَ اللهُ بهِ رُسُلَهُ، وكذلكَ في العباداتِ النصارى يعبدونهُ ببدعٍ ما أنزلَ اللهُ بها مِن سلطانٍ، واليهودُ معرضونَ عن العباداتِ، والمسلمونَ عبدوهُ بما شرعَ ولم يعبدوهُ بالبدَعِ.
وكذلكَ في حقِّ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ، فلم يَغلوا فيهم كما غلتِ النَّصارى في المسيحِ، ولا جَفوهم كما جفتْ فيهم اليهودُ، فالنَّصارى عبدوهم واليهودُ قتلوهمْ وكذَّبوهم، والأمَّةُ الوسطى هي هذه الأمَّةُ، آمنوا بهمْ وعزَّروهم ونَصروهم، فهذهِ الأمَّةُ أفضلُ الأممِ على الإطلاقِ، قالَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وتعالى-: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) الآيةَ - وفي حديثِ أبي هريرةَ: (( أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ) ، وأمَّا قَولُهُ -سُبْحَانَهُ وتعالَى- في بني إسرائيلَ: (وَفَضَّلْنَاكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) فالمرادُ أنه -سُبْحَانَهُ- فضَّلهمْ على عالمي زَمانِهمْ، كشعبِ بُخْتَنَصَّرَ وغيرهِمْ.