بلْ هُمُ الوَسَطُ في فِرَقِ الأمَّةِ؛ [1]
(1) قَولُهُ: وسَطٌ: يأتي بمعنى التَّوَسطِ بينَ الشيئيْنِ، ويأتي بمعنى العدلِ الخيارِ، فأهلُ السُّنَّةِ وسطٌ، أي عدولٌ خيارٌ معتدلونَ بين الطرفيْنِ المنحَرِفَيْنِ في جميعِ أمورهِم، وفي الحديثِ: (( خَيْرُ الأمورِ أَوْسَاطُهَا ) ).
قال عليٌّ رضي اللهُ عنه: خيرُ الناسِ النمطُ الأوسطُ الَّذي يرجعُ إليهم الغالي ويلحقُ بهم التالي، ذكرهُ ابنُ المباركِ عن محمدِ بنِ طلحةَ عن عليٍّ، وقد مدحَ اللهُ أهلَ التوسطِ بينَ الطرفينِ المنحرفيْن، ونهى اللهُ عن الإفراطِ والتفريطِ والغلوِ والتقصيرِ في غيرِ موضعٍ مِن كتابِه، قال تعالى: (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ) ، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) . وقال بعضُ السلَفِ: دينُ اللهِ بينَ المُغالي فيه والمُجافي عنْه. وفي حديثِ ابنِ عباسٍ رضي اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ ) )أخرجهُ النسائيُّ وابنُ ماجةَ وصححهُ ابنُ خزيمةَ، وابنُ حبانَ، وصححهُ الحاكِمُ.
والغلوُّ: هوَ المبالغةُ في الشَّيءِ والتشديدُ فيه بتجاوزِ الحدِّ، قالَ الشاعِرُ:
ولا تغلُ في شيءٍ مِن الأمرِ واقتصد كلا طرفي قصدِ الأمورِ ذميم
وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ ) )قالها ثلاثًا،
قال ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللهُ: ومِن كيدِ عدوِّ اللهِ إبليسَ أن يشمَّ قلبَ العبدِ، فإنْ رأى عندهُ قوةَ إقدامٍ وعلوَّ همةٍ قلَّلَ عندهُ المأمورَ وأوهمهُ أنَّه لا يكفي، وأنهُ يحتاجُ معهُ إلى مبالغَةٍ، وإنْ رأى الغالبَ عندهُ الانكفافَ والإحجامَ ثبَّطهُ عنِ المأمورِ وثقَّلهُ عليه، حتى يتركَهُ أو بعضَه، كما قال بعضُهم: ما أمرَ اللهُ بأمرٍ إلاَّ وللشيطانِ فيهِ نزغتانِ، إمَّا إلى إفراطٍ وتقصيٍر، وإمَّا إلى مجاوزةٍ وغلوٍّ، ولا يبالي بأيِّهما ظفَرَ، وقد اقتطعَ أكثرُ الناسِ إلاَّ القليلَ في هذين الوادِيينِ، انتهى.