الصفحة 12 من 67

فينظر أولًا في الأدلة الواردة، فيعلم أن الحكم الشرعي أنه يجب على الابن الغني أن ينفق على أبيه الفقير، ويتعرف ثانيًا حال كل من الأب والابن، ومقدار ما يملكه كل منهما، وما عليه من الدين، وما عنده من العيال، إلى غير ذلك مما يظن أن له في الحكم أثرًا، ثم ينظر في حال كل منهما ليحقق وجود مناط الحكم ـ وهو الغني والفقر ـ فإن الغنى والفقر اللذين علق بهما الشارع الحكم لكل منهما طرفان وواسطة، فالغنى مثلًا له طرف أعلى لا إشكال في دخوله في حد الغنى، وله طرف أدنى لا إشكال في خروجه عنه، وهناك واسطة يتردد الناظر في دخولها أو خروجها، وكذلك الفقر له أطراف ثلاثة ـ فيجتهد المفتي في إدخال الصورة المسؤول عنها في حكم أو إخراجها بناء على ذلك.

وهذا النوع من الاجتهاد لابد منه في كل واقعة ـ وهو المسمى تحقيق المناط ـ لأن كل صورة من صور النازلة نازلة مستأنفة في نفسها، لم يتقدم لها نظير، وإن فرضنا أنه تقدم مثلها فلابد من النظر في تحقيق كونها مثلها أو لا، وهو نظر اجتهاد [1] .

شروط المفتي:

أولًا لا يشترط في المفتي الحرية والذكورية والنطق اتفاقًا، فتصح فتيا العبد والمرأة والأخرس ويفتي بالكتابة أو بالإشارة المفهمة [2] ، وأما السمع، فقد قال بعض الحنفية: إنه شرط فلا تصح فتيا الأصم وهو من لا يسمع أصلًا، وقال ابن عابدين: لاشك أنه إذا كُتب له السؤال وأجاب عنه جاز العمل بفتواه، إلا أنه لا ينبغي أن ينصب للفتوى، لأنه لا يمكن كل أحد أن يكتب له [3] ، ولم يذكر هذا الشرط غيرهم، وكذا لم يذكروا في الشروط البصر، فتصح فتيا الأعمى، وصرّح به المالكية [4] .

(1) الموافقات للشاطبي (4/89ـ95) .

(2) شرح المنتهى (3/457) ، وإعلام الموقعين (4/220) ، وحاشية ابن عابدين (4/302) ، وصفة الفتوى لابن حمدان ص13، والمجموع (1/75) تحقيق المطيعي.

(3) الدر المختار وحاشية ابن عابدين (4/302) .

(4) حاشية الدسوقي (4/130) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت