ويتخير المستفتي من يفتيه، فإن وجد المستفتي أكثر من عالم، وكلهم عدل وأهل للفتيا، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن المستفتي بالخيار بينهم يسأل منهم من يشاء ويعمل بقوله، ولا يجب عليه أن يجتهد في أعيانهم ليعلم أفضلهم علمًا فيسأله، بل له أن يسأل الأفضل إن شاء، وإن شاء سأل المفضول مع وجود الفاضل، واحتجوا لذلك بعموم قول الله تعالى: [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ] [1] ، وبأن الأولين كانوا يسألون الصحابة مع وجود أفاضلهم وأكابرهم وتمكنهم من سؤالهم.
وعن موسى بن يسار قال: (كان رجاء بن حيوة وعدي بن عدي، ومكحول في المسجد، فسأل رجل مكحولًا عن مسألة فقال مكحول: سلوا شيخنا وسيدنا رجاء بن حيوة) [2] .
ويلزم المستفتي إن اتفقت أجوبة المفتين العمل بذلك إن اطمأن إلى فتواهم، وإن اختلفوا فللفقهاء في ذلك طريقان: فذهب جمهور الفقهاء: الحنفية، والمالكية، وبعض الحنابلة، وابن سريج والسمعاني، والغزالي من الشافعية إلى أن العامّي ليس مخيرًا بين أقوالهم يأخذ بما شاء ويترك ما شاء، بل عليه العمل بنوع من الترجيح، ثم ذهب الأكثرون منهم إلى أن الترجيح يكون باعتقاد المستفتي في الذين أفتوه أيهم أعلم، فيأخذ بقوله ويترك قول من عداه.
قال الغزالي: (الترجيح بالأعلمية واجب، لأن الخطأ ممكن بالغفلة عن دليل قاطع، وبالحكم قبل تمام الاجتهاد واستفراغ الوسع، والغلط أبعد عن الأعلم لا محالة) .
وقال الشاطبي: (لا يتخير، لأن في التخير إسقاط التكليف، ومتى خيرنا المقلدين في اتباع مذاهب العلماء لم يبق لهم مرجع إلا اتباع الشهوات والهوى في الاختيار) .
وقال ابن القيم: (وصاحب المحصول: عليه الترجيح بالأمارات، فإن الحق والباطل لا يستويان في الفطر السليمة) .
(1) سورة النحل: الآية 43.
(2) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (3/259) .