ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نَهَى أَنْ تُقْطَعَ الْأَيْدِي فِي الْغَزْوِ) رواه أبو داود، فهذا حد من حدود الله تعالى، وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضبا كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم، وقد نص أحمد وإسحاق بن راهويه والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام في أرض العدو، وذكرها أبو القاسم الخرقي في مختصره فقال: لا يقام الحد على مسلم في أرض العدو، وقد (أتى بشر بن أرطاة برجل من الغزاة قد سرق مجنه فقال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي الْغَزْوِ) لقطعت يدك) رواه أبو داود، وقال أبو محمد المقدسي: وهو إجماع الصحابة، روى سعيد بن منصور في سننه بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه عن عمر أنه (كتب إلى الناس أَن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجل من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار) [1] وتبين مما سلف أن الصحابة وتابعيهم لم يخالفوا قول الحق في الاتباع، بل كانوا حريصين على النص والإجماع، وهذا دليل حرصهم على التمسك بصراط الله المستقيم.ومثال آخر: أن المُطَلِّق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن خليفته أبي بكر وصدرٍ من خلافة عمر كان إذا جمع الطلقات الثلاث بفم واحد جعلت واحدة، كما ثبت ذلك في الصحيح عن ابن عباس؛ فروى مسلم في صحيحه عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس: (كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم) [2] ،
(1) إعلام الموقعين (3/151) .
(2) إعلام الموقعين (3/153) ..