ثم ذكر من طريق يونس بن عبد الأعلى حدثنا سفيان بن عيينة قال: اضطجع ربيعة مقنعا رأسه وبكى، فقيل له: ما يبكيك ؟ فقال: رياء ظاهر، وشهوة خفية، والناس عند علمائهم كالصبيان في إمامهم: ما نهوهم عنه انتهوا، وما أمروا به ائتمروا.
وقال عبد الله بن المعتمر: لا فرق بين بهيمة تنقاد وإنسان يقلد.
ثم ساق من حديث جامع بن وهب: أخبرني سعيد بن أبي أيوب عن بكر بن عمر عن عمرو بن أبي نعيمة عن مسلم بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ، وَمَنْ اسْتَشَارَ أَخَاهُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رُشْدِهِ فَقَدْ خَانَهُ، وَمَنْ أَفْتَى بِفُتْيَا بِغَيْرِ ثَبْتٍ فَإِنَّمَا إثْمُهَا عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ) وقد تقدم هذا الحديث من رواية أبي داود وفيه دليل على تحريم الإفتاء بالتقليد، فإنه إفتاء بغير ثبت؛ فإن الثبت الحجة التي يثبت بها الحكم باتفاق الناس كما قال أبو عمر [1] .
المطلب الثالث:
الفروق بين فتاوى المتقدمين والمتأخرين وأمثلة منها:
هناك فرق كبير وبون شاسع بين المتقدمين والمتأخرين في سلوك سبيل الفتوى والاجتهاد، فالمتقدمون كان اعتمادهم على النصوص وهو الأساس في الحكم والفتوى، وكانوا لا يألون جهدًا في سبيل الوصول إلى الحق بدليله، والسنة مليئة بأكثر مما ذكرنا، وأما المتأخرون فغلب على فتاواهم الرأي والمذهب، حيث جعلوا المذهب إمامهم، ورأيهم تبعًا لهواهم فضل الكثير منهم بسبب ذلك، وتشتت القلوب وتباغضت بسبب هذا السلوك المشين الذي سبب بعد الناس عن حقيقة شريعة رب العالمين التي جعلها الله خيرًا للعباد في العاجل والآجل. وانظروا لهذا المثل العجيب لورع السلف وحرصهم على إيصال الحق بدليله، وخشيتهم من الوقوع في خطأ يعود أثره عليهم وعلى من يفتيهم:
(1) إعلام الموقعين (2/299،300) .