قال ابن القيم رحمه الله:(ذكر محمد بن حارث في أخبار سحنون بن سعيد عنه قال: كان مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم بن دينار وغيرهم يختلفون إلى ابن هرمز، فكان إذا سأله مالك وعبد العزيز أجابهما، وإذا سأله ابن دينار وذووه لا يجيبهم، فتعرض له ابن دينار يوما فقال له: يا أبا بكر لم تستحل مني ما لا يحل لك؟ فقال له: يا ابن أخي، وما ذاك؟ قال: يسألك مالك وعبد العزيز فتجيبهما وأسألك أنا وذوي فلا تجيبنا؟ فقال: أوقع ذلك يا ابن أخي في قلبك؟ قال: نعم، قال: إني قد كبرت سني ودق عظمي، وأنا أخاف أن يكون خالطني في عقلي مثل الذي خالطني في بدني،ومالك وعبد العزيز عالمان فقيهان،إذا سمعا مني حقا قبلاه،وإن سمعا خطأ تركاه، وأنت وذووك ما أجبتكم به قبلتموه.
قال ابن حارث: هذا والله الدين الكامل، والعقل الراجح، لا كمن يأتي بالهذيان، ويريد أن ينزل قوله من العقاب منزلة القرآن) [1] .
وقد ورد من أقوال أئمة المذاهب المشهورة في عدم التقيد بمذهبهم على حساب النصوص الصحيحة ليبينوا للناس كافة أن الأساس هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وترك ما دون ذلك لكي لا يضل الناس بتركهم إياه.
فأولهم الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمه اللهوقد روى عنه أصحابه أقوالًا شتى وعبارات متنوعة كلها تؤدي إلى شيء واحد وهو وجوب الأخذ بالحديث وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة لها: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) [2] .
(1) إعلام الموقعين (2/302) .
(2) ابن عابدين في ـ الحاشية ـ (1/63) .