الصفحة 60 من 67

وأما الإمام أحمد فهو أكثر الأئمة جمعًا للسنة وتمسكًا بها حتى كان يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي، لذلك قال: (لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخُذ من حيث أخذوا) [1] . وفي رواية: (لا تقلد دينك أحدًا من هؤلاء ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فخذ به ثم التابعين وما بعد فالرجل فيه مخير) .

وقال مُرَّة: (الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ثم هو من بعد التابعين مخير) [2] . وقال: (رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي وهو عندي سواء وإنما الحجة في الآثار) [3] . وقال: (من رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة) [4] .

تلك هي أقوال الأئمة رضي الله تعالى عنهم في الأمر بالتمسك بالحديث والنهي عن تقليدهم دون بصيرة وهي من الوضوح والبيان بحيث لا تقبل جدلا ولا تأويلا وعليه فإن من تمسك بكل ما ثبت في السنة ولو خالف بعض أقوال الأئمة لا يكون مباينا لمذهبهم ولا خارجا عن طريقتهم بل هو متبع لهم جميعا ومتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها وليس كذلك من ترك السنة الثابتة لمجرد مخالتفها لقولهم بل هو بذلك عاص لهم ومخالف لأقوالهم المتقدمة والله تعالى يقول: [فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا] [5] .

وقال: [فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [6] .

(1) إعلام الموقعين (2/302) .

(2) رواه أبو داود في مسائل الإمام أحمد، ص 276، 277.

(3) جامع العلم وفضله (2/149) .

(4) ابن الجوزي في المناقب، ص 182.

(5) سورة النساء: الآية 65.

(6) سورة النور: الآية 63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت