ونحو هذا يقال في الإمام المزني وغيره من أتباع الشافعي، ولو ذهبنا نضرب على ذلك الأمثلة لطال بنا الكلام ولخرجنا به عما قصدنا إليه في هذا البحث من الإيجاز فلنقتصر على مثالين اثنين: قال الإمام محمد في ـ موطئه، ص 158ـ: (قال محمد: أما أبو حنيفة رحمه الله فكان لا يرى في الاستسقاء صلاة وأما في قولنا فإن الإمام يصلي بالناس ركعتين ثم يدعو ويحول رداءه) إلخ .
وهذا عصام بن يوسف البلخي من أصحاب الإمام محمد ومن الملازمين للإمام أبي يوسف كان يفتي بخلاف قول الإمام أبي حنيفة كثيرًا لأنه لم يعلم الدليل وكان يظهر له دليل غيره فيفتي به صلى الله عليه وسلم ولذلك (كان يرفع يديه عند الركوع والرفع منه) كما هو في السنة المتواترة عنه صلى الله عليه وسلم فلم يمنعه من العمل بها أن أئمته الثلاثة قالوا بخلافها وذلك ما يجب أن يكون عليه كل مسلم بشهادة الأئمة الأربعة وغيرهم كما تقدم.
قال الشافعي: (مثل الذي يطلب العلم بلا حُجَّة كمثل حاطب ليل، يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري) ذكره البيهقي.
وقال إسماعيل بن يحيى المُزَنِيّ في أول مختصره: اختصرت هذا من علم الشافعي، ومن معنى قوله، لأقربه على من أراده، مع إعلامية نهيه
عن تقليده وتقليد غيره لينظر فيه لدينه ويحتاط فيه لنفسه.
وقال أبو داود: قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبع من مالك؟ قال: لا تقلد دينك أحدا من هؤلاء، ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فخذ به، ثم التابعي ثم بعد فالرجل فيه مُخيَّر.
وقد فَرَّق أحمد بين التَّقليد والاتِّباع فقال أبو داود: سمعته يقول: الاتِّباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، ثم هو من بعد في التابعين مخير، وقال أيضا: لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الثَّوري ولا الأَوْزَاعي، وخذ من حيث أخذوا.
وقال: من قلة فقه الرجل أن يُقَلِّد دينه الرِّجال.