وقال ابن حمدان: (ومن صفته وشروطه: أن يكون مسلمًا عدلًا مكلفًا فقيهًا مجتهدًا يقظًا صحيح الذهن والفكر والتصرف في الفقه وما يتعلق به) [1] .
وقد بين ابن حمدان سبب تأليف كتابه القيم (صفة الفتوى والمفتي والمستفتي) بقوله: (عظم أمر الفتوى وخطرها، وقل أهلها ومن يخاف إثمها وخطرها وأقدم عليها الحمقي والجهَّال، ورضوا فيه بالقيل والقال، واغتروا بالإمهال والإهمال، واكتفوا ـ بزعمهم ـ أنهم من العَدد بلا عُدد، وليس معهم بأهليتهم خط أحد، واحتجوا باستمرار حالهم في المُدد بلا مَدد، وغرّهم في الدنيا كثرةُ الأمنِ والسلامة وقلة الإنكار والملامة) [2] .
فإذا كان هذا حال المفتين في عصره فكيف لو رأى عصرنا الذي تصدى فيه للإفتاء من لم يذق طعم العلم أصلًا، ولم يعرف له فرعًا ولا أصلًا، من هؤلاء الكُتّاب الذين يَدّعُون الفكر، والذين تربوا على ثقافة الغرب وأخلاقهم، فامتلأت الصحف من أقوالهم وآرائهم في الدين، فملأوا الأوراق ضلالًا، والقلوب شكوكًا، والمسلمين فسادًا وتفرقًا، حتى أصبح الناس شيعًا وأحزابًا [كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ] [3] ، وما ذكرناه أخبرنا به رسولنا صلى الله عليه وسلم في قوله: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رءوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) [4] .
لذلك فعمل المفتي من الضرورة بمكان إذا كان لائقًا لمكانته، متحملًا لمسؤوليته، ومعلوم أن عمل المفتي هو الإخبار بالحكم الشرعي عن دليله، فإذا علم ذلك فإنه يستلزم أمورًا:
(1) صفة الفتوى ص13.
(2) صفة الفتوى، ص4.
(3) سورة المؤمنون: الآية 53.
(4) سبق تخريجه ص3.