وهم على اختلاف فرقهم, فأنزل الله صدر هذه السورة بيَّن فيها أن عيسى عبدٌ من عباد الله خلقه، وصوَّره في رحم كما صور غيره من المخلوقات، وأنه خلقه من غير أب كما خلق آدم من غير أب ولا أم وقال له: كن فكان _ سبحانه وتعالى _ وبيَّن أصل ميلاد أمه مريم، وكيف كان من أمرها، وكيف حملت بولدها عيسى, وكذلك بُسط ذلك في سورة مريم على ذلك كله بعون الله وحسن توفيقه وهدايته+ [1] .
ثم شرع × بإيراد الآيات والآثار التي وردت في هذا السياق, بداية من قصة ميلاد مريم كما في قوله _تعالى_: [إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ] (آل عمران: 33) إلى أن بين حياتها، وحملها بعيسى، ووضعها له، وما أظهره الله على يديه من المعجزات؛ فهذه _إذًا_ حقيقة عيسى _ عليه السلام _ وأمه وسيمر بنا _إن شاء الله تعالى_ شيء من ذلك عند الكلام عن عقيدة المسلمين في عيسى _ عليه السلام _.
لقد بعث الله عيسى _ عليه السلام _ بالبينات، وأيده بالمعجزات التي أظهرها الله على يديه، وكان جديرًا بقومه أن يؤمنوا به ويصدقوه ويتبعوه، ولكن القوم الذين بعث فيهم كانوا غلاظ الرقاب، قساة القلوب, فكانت مهمته شاقة إذ حاول هدايتهم.
فاليهود قوم عكفوا على المادة، واستغرقتهم، واستولت على أهدافهم ومشاعرهم، حتى لقد كان نساكهم وسدنةُ الهياكل عندهم _ وقد فاتهم العمل على كسب المال من أبوابه الدنيوية _ يجمعون المال من نذور الهياكل، والقرابين التي يتقرب بها الناس.
ولقد كانوا يجعلون لأحبارهم، وعلماء الدين فيهم المنزلة السامية، والمكانة العالية دون الناس؛ فجاء المسيح وجعل الناس جميعًا سواءًا أمام ملكوت الله [2] .
(1) _ قصص الأنبياء ابن كثير ص518.
(2) _ انظر محاضرات في النصرانية ص22_23.