-عن إبراهيم بن عبد الرحمن قال:"أتي عبد الرحمن بن عوف بطعام، وكان صائما، فقال: قتل مصعب بن عمير، وهو خير مني، فكفن في بردة: إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه. وقتل حمزة، وهو خير مني - أو رجل آخر، شك إبراهيم - فلم يوجد ما يكفن به، إلا بردة، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط - أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا - وقد خشيت أن يكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا، ثم جعل يبكي، حتى ترك الطعام" [البخاري/ الجنائز/باب الكفن بلا عمامة]
الرهبانية في هذه الأمة قليل؛ لمشقتها، ولأن تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم ضدها، ووجودها يضر.
العدل بين حب الدنيا والرهبانية
لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه رضوان الله عليهم يحبون الدنيا، ولم يكونوا رهبانيين، بين ذلك كانوا؛ يأخذون من الدنيا إذا أقبلت، ونفوسهم تتوق إليها، من: لباس وكساء، ومسكن وبيت، ومال ومتاع، لا يخرجون عن حد المباح، ويكفون إن كان ثمة شبهة، دع عنك المحرم.
ولا يأبهون لها إن هي أدبرت، ولا يسعون خلفها حثيثا، إلا بمقدار ما يحتاجون لحياتهم، وآخرتهم.
فهم بين عملين: أخذ، وترك.
كالسيل إذا جرى، أخذ الناس منه ما يحتاجون لزرعهم، ورعيهم، وشربهم، فجعلوا لذلك شعبا وسدودا. فما زاد فتحوا له الأبواب ليمر، وتركوا له المجرى ليجري، خوفا من اجتماعه فيدمر.
وإذا لم يجر لقلة الأمطار، سعوا في تحصيله بالوسائل المتاحة، بالقدر الذي يحتاجون، من الأنهار والآبار، وما قد جمعوا قبل، فإذا حصلوا حاجتهم كفّوا، وأعرضوا عن الباقي، لما فيه من كلفة ومشقة بلا فائدة.
هكذا هي حالهم مع الدنيا. الدنيا سيل يدمر كل شيء، إذا لم يؤخذ منه بقدر، ويترك الباقي ليمر.
أين الميزان ؟.