الصفحة 47 من 59

ومن الواضح أننا عندما نتكلم عن التدابير الجزائية للحد من العنف، أننا لا نقصد العنف المتمثل في جريمة قتل أحد أفراد الأسرة لفرد آخر، ولا نقصد كذلك العنف الداخل في جرائم الحدود، ومنها جريمة قذف الزوج لزوجته بجريمة الزنا من غير أن يوجد معه أربعة شهداء، فكل ذلك إما داخل في عقوبة القصاص أو عقوبات الحدود، ولكن المقصود بها هنا هو التدابير الجزائية للحد من العنف الذي لا تدخل عقوبته في مجال القصاص أو الحدود، وإنما تدخل في مجال عقوبة التعزيز.

ومجال عقوبة التعزيز مجال واسع لم يحدده الشرع كتحديده للقصاص والحدود، فقد يأخذ التعزيز صورة الضرب أو الحبس أو الغرامة المالية، أو التوبيخ أو النفي إلى بلد غير محل إقامته، أو الحرمان من الحقوق السياسية، أو غير ذلك من ما يراه القاضي مناسبًا للمخالفة الشرعية التي حدثت في نطاق الأسرة.

والعنف في نطاق الأسرة كما هو متصور الوقوع من جانب أحد الزوجين إما قبل الآخر أو قبل الأولاد، فإنه أيضًا متصور الوقوع من جانب الأولاد قبل أحد والديهم أو كليهما، أو من بعضهم قبل البعض الآخر، فما الذي يمكن جعله جزاء للحد من هذا العنف؟.

إذا كان العنف من جانب الأولاد قبل والديهم فإن باب التعزيز مفتوح، لأنه عقوبة تكون مناسبة للدرجة التي وصل إليها العنف، كالضرب بشرط أن لا يزيد عن عشرة أسواط وهو الحد الأعلى للتعزيزـ كما أرشدنا إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي بردة بن نيار أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى" [1] فهذا الحديث يبين أنه يجوز توقيع عقوبة الجلد إلى هذا المقدار لكل من يرتكب فعلًا محرمًا ولم يرتكب حدًا من حدود الله عز وجل.

(1) ... نيل الأوطار، للشوكاني ج7 صفحة 328، السيل الجرار المتفق على حدائق الأزهار، للشوكاني ج4 صفحة 354.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت