الصفحة 56 من 59

فبان من هذا أن اجتهادات الفقهاء في مسألة تعدي الزوج على زوجته إنما هي في مسألة لم يرد فيها نص، ولهذا أرى أن علاج ذلك يكون بعيدًا عن ضرب الزوج، ويوجد عقوبات أخرى كالعقوبة بالمال، أو إبعاد الزوجة عن زوجها فترة يراجع فيها نفسه في ما يسلكه تجاهها من العنف، ولا يعفى من النفقة الواجبة لزوجته، بل يدفعها مع كونها ليست في مسكنه فليس من السهل على الزوجين أن يعيشا معًا المعيشة العادية بين كل زوج وزوجة، مع أن الزوج وقعت عليه عقوبة الضرب، أو الحبس أو غيرهما، ولعل من ما يشير إلى عدم استحسان ذلك، أن الرسول صلى الله عليه وسلم في الجانب المقابل وهو ضرب الزوجة، يحث الرسول صلى الله عليه وسلم الأزواج على عدم ضرب الزوجات، فيقول: (لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم) ، وفي رواية: من آخر الليلة [1] .

فإذا كان الشرع يحبب في عدم ضرب الزوجات، فإن المرأة من جانبها أيضًا لا تكون سببًا في إيقاع الضرب على زوجها، وكيف تستقيم الحياة بين الزوجين، ويعيشان معًا في حال طبيعية والزوج ضرب أو حبس بسبب من قبل زوجته. إنه لا فارق بين ضرب الزوجة من زوجها أو ضرب الزوج بسبب من قبل الزوجة، فكل منهما مؤد إلى الإضرار بالعلاقات بين الزوجين التي ينبغي أن تكون مبنية على السكن النفسي، والمودة والرحمة.

إن من المستحسن أن تستمر محاولات الإصلاح بين الزوجين إذا حدث العنف من الزوج، فإذا بان أن معايشة الزوجة لزوجها مؤد إلى الإضرار بها، فإنه يجئ هنا دور الحكمين، ويمكن الأخذ بالرأي الذاهب إلى أن الحكمين حاكمان من سلطتهما التفريق بين الزوجين، كما يرى ذلك فريق من العلماء وأكرر هنا ما ذكرته قبل ذلك من قول ابن العربي: فأما عقود الأبدان فلا تتم إلا بالاتفاق والتآلف وحسن التعاشر، فإذا فقد ذلك لم يكن لبقاء العقد وجه، وكانت المصلحة في الفرقة والله أعلم.

د. محمد رأفت عثمان

(1) ... نيل الأوطار، للشوكاني ج6 صفحة 365.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت