وتأسيسًا على هذا ؛ يُخطئ كثير من الناس يوم يزعمون عن قصد أو غير قصد أن مؤسسي الحرية في العالم هم الأوربيون ولاسيما فرنسة التي تمردت على الملكية والكنيسة معًا وأقامت دولة علمانية بحتة ، ووضعت في نظرهم أساس الحكم المدني وأرست دعائم الديمقراطية عندهم ، واتبعتها سائر الشعوب ، أخطؤوا كثيرًا يوم أداروا ظهورهم للإسلام ولما فيه من مَهْيع ثرٍّ للحريات ، وتنكروا لهذا النظام الإلهي ونسبوا الفضل إلى الثورة الفرنسية وما تلاها من أحداث في الوقت الذي أفاد صانعوا الثورة الفرنسية وآباؤها ورجال الفكر الحر في أوربا بعامة وفي فرنسة بخاصة من نظم الحرية في الإسلام ، كما أفادت تلك الشعوب آنذاك من الثورة الفرنسية فيما بعد في احترام الحرية ، والواقع أن عقلاء الغرب وفلاسفة أوربا لم يقوموا بما قاموا به إلا بعد اطلاعهم المعمق ودراساتهم الواسعة المستفيضة للحضارة العربية الإسلامية ولمكانة الحرية فيها ، واستقوا أصول الحريات وانتهجوا في تلمذة واضحة منهم على علمائها وكبار المفكرين الأقدمين لديها ،وجلُّ ما جاء به القوم إنما هو وليد الحضارة العربية الإسلامية وأحد ثمراتها ولكن مع العقوق منهم، ذلكم لأنهم مَرَدوا على العقوق في الأعم الأغلب فضاعت لديهم الحقوق ، والنادر لا حكم له .
واليوم نلمس آثارًا طيبة لنهضة مرجوة ويقظة جديدة للعقل العربي حيث بدأ هذا العقل يتفاعل مع الأحداث ، وينشد الخلاص ، وبيده كنوز آبائه لا تحتاج إلا إلى التعرف عليها والعناية بها ، وتبني مقولاتها بعد صياغتها صياغة حديثة ضمن مقولات جديدة في شكلها أصلية في مضمّنها .